النفاق الجزء الثاني – للشيخ مرشد معشوق الخزنوي

الاخوة والأخوات الكرام ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، ومرحبا بكم في لقاء جديد نستكمل الحديث فيه عن مواصفات المنافق ، وخصال المنافقين – بعد أن تعرفنا على النفاق كمرض وخطورته على الفرد والمجتمع .

للأسف ينتشر الكثيرون منهم في المجتمع ، يتغلغلون في المجتمع – وينتشرون من دون أن يشعر أو يحسّ بهم أحد، فتراهم يمكرون – ويصنعون الدّسائس في صفوف المجتمع خفيةً عن أعين النّاس – وبعيدًا عنهم، وقد حُذّرنا منهم ومن شرّهم وخطرهم على المجتمع ، ولذلك لهم مواصفات تتعرف من خلالها عليهم .

  1. الغمز واللمز –  يقول المولى عز وجل لنبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم معرفا إياه بهذه العلامة – فيقول : {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ}.هذه أولى العلامات الكلام ، لحن القول ولذا قيل في الحديث الصحيح «إن أخوف ما أخاف عليكم جدال منافق عليم اللسان» شخص لَسِنٌ يجيد تزيين باطله وتحسين بضاعته بكلام ملحون، ليّ للألفاظ، تلاعب بالمعاني، تورية في الكلمات جدال ومراء.
  2. يتفرغ من الغمز واللمز وجداله أنه يقول ما ليس بقلبه (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ) لأنه ذو وجهين ، وذو لسانين – وقد لعنه المصطفى عليه الصلاة والسلام فقال : { مَلْعُونٌ ‏ذُو الْوَجْهَيْنِ، مَلْعُونٌ ذُو اللِّسَانَيْنِ مَلْعُونٌ كُلُّ شَفَّارٍ، مَلْعُونٌ كُلُّ قَتَّاتٍ، مَلْعُونٌ كُلُّ مَنَّانٍ }.

الشَّفَّارُ المحرش والمحرض بين الناس فيلقي بينهم العداوة والبغضاء – والقتات هو النمام في مفهومه العام وله تخصيص ان النمام هو الذي يكون مع القوم فيستمع لهم وينقل حديثهم ، أما القتات فهو الذي يسترق السمع ثم ينقله – والمنان هو الذي يصنع الخير ويمن به ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ) [ البقرة 264 ] – فإذن المنافق يقول ما ليس بقلبه – ذو الوجهين هذا ملعون .

  • ينتج من هذا أيضا الذبذبة – الصفة الثالثة – والعلامة الثالثة أنه مذبذب – حيث يكون المنافق متعمقا في درك النفاق بحيث يخدع الطرفين ، فلا هو من هؤلاء ولا من هؤلاء ، وإنما (مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا )(النساء 143) يمشي حسب المصلحة – اينما وجدت مصلحته وجد – وهذا ما نستطيع أن نسميه بالنفاق المزدوج ، والتاريخ يذكر ولازال أن من الجواسيس الدوليين من يفعل اكثر من ذلك ، ولذلك كان خطرهم اشد من خطورة جيوش كبيرة محاربة ، لأن الجيوش تغير عليك من مواقع الحذر ، أما المنافقون فيحاربون ويغيرون من مواقع الأمن ، وهي المواقع التي لا رقابة عليها وليست فيها تحصينات

أنهم المنافقون المتلونون،  الإمام مسلم يروي عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ؛ تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً } . الشاة العائرة هي المترددة الحائرة .

كثير ما تسمع هنا في المغترب عند حدوث مشكلة بين شخص وبين آخر ، إن كان مصلحته بالقانون – تراه يشدد ويؤكد على قيم الدولة التي يقيم فيها – يا أخي نحن في بلد قانون – لابد أن نحترم الجنسية التي نحملها – وإن كان حقه ضائعا في القانون والشرح والفقه يحفظ له حقه – تجده مباشرة يستدير 180 درجة  – يا اخي لما القانون – لما لا نذهب الى الشيخ – من يوم يومنا مشايخنا بركتنا .

فهو دائماً حريص على المنافع الدنيوية، فإذا كان هناك نفع من المؤمنين قال: أنا منكم. وإن رأى منفعة عند غيرهم، قال: أنا معكم. كما قال تعالىL الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين )[سورة النساء: 141].

  • ينتج من كل ما تقدم الصفة الرابعة – وهي فلسفة الافساد – تراه يفلسف فساده – وصفهم الله بأصحاب القلوب المريضة وحكى عن فلسفتهم فقال المولى عنهم : (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ )[ سورة البقرة 11 – 16 ]  .
  • 5-      نتيجة لهذه الفلسفة الساقطة تجد عنده الصفة الخامسة إلا وهي استصغاره للذنوب والمعاصي – وعدم المبالاة بها – قال في ذلك الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه – قال عبدُ اللهِ [ ابنُ مسعودٍ ] : إنَّ المؤمنَ يرَى ذنوبَه كأنه في أصلِ جبلٍ يخافُ أنْ يقعَ عليه – وإنَّ الفاجرَ يرَى ذنوبَه كذبابٍ وقع على أنفِه قال به هكذا ، فطار .

من كل الصفات الخمسة المتقدمة الغمز واللمز – وقول ما ليس بالقلب – والذبذبة – وفلسفته للإفساد واستصغاره للذنوب تكون النتيجة أن تخلق فيه – وتتواجد لديه صفات أربع حدثنا عنها المصطفى عليه الصلاة والسلام – فيما يرويه البخاري ومسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا : إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ ) .

إذا اؤتمن خان : فإذا ائتمنه إنسانٌ على أمانة خانه فيها – إمّا بإهمال حفظها، أو بالتّسويف في أدائها، أو باستغلال المناصب التي يتولّاها للرّشوة والتّكسب وغير ذلك.

إذا حدث كذب : لا يصدق ولا يمكن أن يحبّ الصّدق، لأنّ الصّدق هو تعبيرٌ حقيقي عن الإنسان ومشاعره وكلماته، بينما من طبيعة المنافق وشخصيّته أنّها تجبل على التّلوّن حسب المواقف والظّروف ولا يلائمها إلا الكذب والخداع.

وإذا وعد أخلف : فإذا تواعد مع امرئٍ على موعد يلتقيان فيه تراه يتخلّف عنه لأتفه الأسباب وأوهن الحجج، فشخصيّة المنافق تخشى الوفاء بالوعود لأنّها تدلّ على الصّدق والوضوح، وشخصيّة المنافق متذبذبة ضبابيّة.

وإذا خاصم فجر  : يتجاوز الحد في خصومته ليقلب الحقائق –  تراه إذا اختلف مع إنسانٍ لسببٍ معيّن قد لا يكون مُهمًّا يفجر في الخصومة ويبالغ فيها، ذلك بأنّ شخصيّة المنافق لا تبقى على حالٍ مع أحد وبالتّالي لا تُكوّن صداقاتٍ حقيقية، ومن يفقد ذلك يفتقد معاني الوفاء والأخوّة والرّفقة في بناء علاقاته مع النّاس ولا يأبه لها، وتسهل عليه الخصومة والعداء والمبالغة فيها.