الحسد الجزء الأول – الحلقة 16 – الشيخ مرشد معشوق الخزنوي

السادة الكرام : نحن  في استذكار وتشخيص الأمراض التي تصيب القلب ، فالقلب يمرض كما تمرض الابدان ، وأولى الأمراض التي تحدثنا عنها هي الحقد ، والحقد يورث مرض أخرى أخطر منها إلا وهو الحسد .

الحسد هذه الجرثومة السيئة ، والخلق الذميم ، والداء المهلك ، وصفة محبطة للأعمال ومفسدة للثواب ، ومنافية للإيمان .

الحسد اذا اصابة النفس الإنسانية أضناها ، وأشقاها ، وجعلها مصدر أذى للآخرين ، من خلال ما يجره معه من أمراض وذنوب وجرائم كالبهتان والمكر والكيد ، انظروا إلى إخوة يوسف عليه السلام كيف حسدوا أخاهم الصغير يوسف، ودفعهم الحسد الى أن دبروا له المكيدة والحيل للإيقاع به، كما سجل القرآن ذلك: (لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) [يوسف: 5].

الحسد هذه الصفة الذميمة التي لا تتخلق بها إلا النفوس المريضة التي لا تحب إلا العيش منفردة ، والاستئثار على غيرها بما تهواه. والحسد بوابة الآثام، وبضاعة اللئام، يبدأ بالقريب قبل البعيد، والصديق قبل العدو، وهو أول ذنب عصي الله به في السموات ، وأول ذنب عصي الله في الأرض ، أول ذنب عصي الله به في السماء عندما حسد ابليس آدم ، وأول ذنب عصي الله به في الأرض عندما قتل قابيل هابيل حسدا بقبول الله لقربانه .

الحسد داء يأكل القلب ويحرقه ، وهو مأخوذ من الحسدل ، أو ما يعرف بالقراد ، وهي حشرة صغيرة من فصيلة العناكب لها ثمانية أرجل ، تعتاش على جلد الإنسان أو الحيوان وتمتص الشعيرات الدموية ، ومنها أخذت كلمة الحسد من الحسدل ، فالحسدل تمتص الشعيرات الدموية ،  كذلك الحسد يمتص الدين واليقين ، ويمتص الرضا والتسليم ، والإيمان بالله تعالى.

الشيخ الطاهر بن عاشور عرف الحسد فقال : ( إحساس نفساني مركب من استحسان نعمة في الغير، مع تمني زوالها عنه، لأجل غيرة على اختصاص الغير بتلك الحالة، أو على مشاركته الحاسد)  ((التحرير والتنوير)) (30/629).

الشيخ الشهيد معشوق الخزنوي يعرفه فيقول :  ( الحسد شعور بالألم يحز في نفس الحاسد من نعمة أنعمها الله على المحسود لا يسكن إلا إذا زالت النعمة عن المحسود ).

ابن عساكر في تاريخ دمشق يروي عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما قوله : (كلُّ الناس أستطيع أن أرضيه إلا حاسد نعمة، فإنه لا يرضيه إلا زوالها)  (تاريخ دمشق لابن عساكر) .

وعرفها الإمام الكفوي بأنه ” تغير القلب لما يراه عند غيره من الآفاضل ” فالقلب يتغير ويكون به كراهية وحقد ، وعدم راحة لأن غيره عنده فضائل ، سواء كانت دينية أو دنيوية ، وجيعة يصاب بها صاحب هذا القلب ما بعدها وجيعة ، ولذلك قال الشاعر :

إصبر على كيـــد الحســود                                                       فإن صبرك قاتلــــــــه

فالنار تأكـــل بعضهــــــــا                                                            إن لم تجد ما تأكلـــــــه

ولعل السؤال المحوري هو ، لماذا يتألم الحاسد من نعمة أنعم الله بها على غيره ما دام لم يتضرر بها ، واجاية هذا يعرف إن عرفنا مما يتشكل الحسد ، وإن حللت الحسد تجده مكون من الأنانية وحب الذات ، مع ضعف في الإيمان بكمال حكمة الله تعالى ، الأمر الذي يفضي الى الاعتراض على الله في حكمته التي وزع بمقتضاها عطائه بين خلقه .

هنا المصيبة ، والطامة الكبرى ، أن الحسد يضرب بسهامه في أصل العقيدة والإيمان ، لأن الحاسد معترض على الله وحكمه وعدله في الأساس ، لماذا أعطى هذا ولم يعطه هو؟ لماذا يوزع نعمه بتلك الطريقة؟ ، ولهذا يقول ابن القيم: “أصل الحسد هو بغض نعمة الله على المحسود” ، كما قال ربك عن حُسّاد قريش: (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) [الزخرف: 31].

هذه هي حقيقة الحاسد، إنه لا يؤمن حقيقة بأن الله هو المعطي والمانع، وهو الرزاق، وهو المنعم، وهو صاحب الإحسان والفضل، وهو صاحب القدر والقضاء: (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ)[الأنعام: 165].

لأن النعم التي يحسد الآخرين عليها هي من عطاء الله حقيقة، هي من فضل الله على عباده، فما ذنب الآخر حتى تحسده؛ كما قال سبحانه: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ)[النساء : 54]، ولذلك روى الإمام النسائي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” لا يجتمعانِ في قلبِ عبدٍ الإيمانُ والحَسَدُ “

من الذي قسم الأرزاق ؟ من الذي وزع جداولها؟ هو الله سبحانه وتعالى ! ولهذا قال بعض العلماء :

آلا كل من بات لي حاسـداً                      أتدري على من أســأت الأدب ؟

أسأت على الله في فضلــه                       إذا لم ترضى لي ما وهــــب

فأخذاك ربي بأن زادنــي                         وســد عليك وجوه الطلـــب

وهو كما قال الإمام علي عندما سئل ” فرق لنا بين ثلاثة البخيل والشحيح والحاسد؟ فقال البخيل هو الذي يبخل بماله والشحيح هو الذي يبخل بمال غيره. والحاسد هو الذي يبخل  بنعمة الخالق على خلقه “

ولذلك كان العارفون بفقه القلوب يقولون : الحاسد جاحد لأنه لا رضى بقضاء الواحد

وهي ثانية تحبط الاعمال الفاضلة  ، فقد روى أبو داود من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ “

وهي ثالثة خراب للمجتمع ، فقد روى الطبراني عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : “لا يزالُ الناسُ بخيرٍ ما لَمْ يتَحاسَدُوا”. نعم ايها السادة كم نخر الحسد في جسم المجتمع فأمرضه

كم من عالم وعاقل أفسد الحاسدون والواشون ما بينه وبين ذي سلطان بالكذب والبهتان .

وكم من حاكم أو سلطان أو قائد أفسد الحاسدون والواشون ما بينه وبين أقرانه ، أو بينه وبين أعوانه ، أو بينه وبين رعيته .

وكم من رجل أعمال أو تاجر أفسد الحاسدون والواشون ما بينه وبين زبائنه وشركائه .

وكم من زوجين حبيبين يظلهما سرادق السعادة والهنا ـ ويمتعهما نعيم المودة والصفاء ، فأفسد الحاسدون والواشون ما بينهما بالكذب والبهتان ، فنالهما بلاء وهم و حزن وغم وربما بمر الفراق وشر الطلاق .

وكم من أصحاب متآخين في الله ، يجتمعون على حب الله ، ويفترقون عليه ،  قد ائتلفوا بينهم إئتلاف حبات عقد اللؤلؤ النظيم لا يمر النسيم فيما بينهم إلا بعطر ، ولا تطلع الشمس عليهم إلا بزهر ،  فأفسد الحاسدون والواشون ما بينهم بالغيبة والنميمة كذبا وبهتانا فناب عن الحب هم وبلاء وعداوة وبغضاء ثم تفرقوا تفرق الاعداء .

وكم من والد أفسده مكر الحاسدين على ولده فبات غاضباً على ولده بعد أن كان راضياً عنه .

وكم من ولد أفسده الحاسدون على أبيه فبات عاقاً لوالده بعد أن كان باراً به .

كم من محصنة عفيفة شريفة رماها الحاسدون بالزنا وأشاعوا عنها الفاحشة .

كم من أمين خونه الحاسدون ، كم من صادق رماه الحاسدون بالكذب ، كم من عالم طعنه الحاسدون بالجهل ، وكم من عاقل غمزه الحاسدون بالجهالة ، وكم من رزين رماه الحاسدون بالطيش ، وكم من عادل شيع الحاسدون عنه أنه جائر ظالم .

وكم من صاحب خلق كريم ودود وصفه الحاسدون بالنفاق ، وكم من داع الى الحق صادق مخلص وصفه الحاسدون بالرياء أو بأنه تاجر مال ، أو طالب جاه .

كم من جميل قبحه الحاسدون ، وكم من قوي أضعفه الحاسدون وأوهنوه ، وكم من ثري كاده الحاسدون ومكروا به حتى نزل به الفقر.

 وكم من ذي جاه وسلطان ما زال به الحاسدون حتى أذلوه ، وكم من ذي شجاعة وبأس وبطولة مكر به الحاسدون حتى قتلوه ، وكم من نبي أوقع به حاسدوه حتى أخرجوه من بلاده أو قتلوه .

كل هذا له شواهد وأمثلة كثيرة في احداث التاريخ ، وما يزال التاريخ يسجل إلى يومنا هذا ، أحداثاً وأمثلة كثيرة في كل حقبة من الزمن ، وفي كل مجتمع من المجتمعات .

وهكذا يقطع الحسد وشائج المودات وصلات القروبات ، ويفسد الصداقات ويولد في الناس العداوات ،

نسأل الله السلامة ، أدركنا الوقت لكننا مستمرين لتتمة هذا المبحث عن الحسد في يوم غد ، حتى نلم بكل جوانب الموضوع ، والى غد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته