علاج الهم والغم في القرآن الكريم – الحلقة 7- الشيخ مرشد معشوق الخزنوي

بسم الله الرحمن الرحيم

السيدات والسادة الكرام ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته  ، ومرحبا بكم في لقاء جديد مستمرين فيما يجلب للقلب السلامة من خلال تدبر القرآن الكريم ، ومن ذلك الاستفادة من جواهر قول الإمام جعفر الصادق رحمه الله في مقولته الشهيرة التي يقول فيها: عجبت لمن فزع من ثلاث كيف لا يفزع إلى ثلاث -:عجبت لمن خاف كيف لا يفزع إلى قوله عز وجل: ” حسبنا الله ونعم الوكيل ” فاني سمعت الله جل جلاله يقول بعقبها: ” فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ”  ، وعجبت لمن اغتمّ كيف لا يفزع إلى قوله عز وجل: ” لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ” فاني سمعت الله عز وجل يقول بعقبها: ” فاستجبنا له ونجَّيْنَاهُ من الغمّ وكذلك ننجي المؤمنين ” ، وعجبت لمن مكر به كيف لا يفزع إلى قوله: ” وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد ” فاني سمعت الله جل وتقدس يقول بعقبها: ” فَوَقَاهُ الله سيئات ما مكروا “.

كنا في اللقاء الماضي مع قوله رحمه الله : عجبت لمن خاف كيف لا يفزع إلى قوله عز وجل: ” حسبنا الله ونعم الوكيل ” فاني سمعت الله جل جلاله يقول بعقبها: ” فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ” ، نستكمل اليوم في قوله رضي الله عنه : وعجبت لمن اغتمّ كيف لا يفزع إلى قوله عز وجل: ” لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ” فإني سمعت الله عز وجل يقول بعقبها: ” فاستجبنا له ونجَّيْنَاهُ من الغمّ وكذلك ننجي المؤمنين ”

 وعجبت لمن اغتم ، لمن اثقلته الهموم والأحزان والقلاقل ، وكلنا هذا الواحد ، أمر يشغل الفكر ، ويوجع القلب ، ولخطورته كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الاستعاذة منه في دعائه – كما روى البخاري أن صلى الله عليه وسلم يكان يكثر في دعائه من قول: ((اللهم إني أعوذُ بكَ مِن الهمِّ والحَزَنِ -، والعَجْزِ والكسَلِ )).

وبالرغم من أن الكثير لا يفرق بين الهم والغم والحزن ،إلا أن الإمام ابن القيم  رحِمه الله يفرق بين الهمِّ والحزن والغَمِّ، فيقول: “المكروه الوارد على القلب، إن كانَ مِن أمرٍ ماضٍ أحدَثَ الحزَنَ،  وإن كانَ مِن مستقبلٍ أحدَثَ الهمَّ، وإن كانَ مِن أمرٍ حاضرٍ أحدَثَ الغَمَّ” (فوائد الفوائد؛ ابن القيم، ص 60).

عجبت لمن اغتم ، أمر وارد على الناس جميعاً ، الإمام ” ابن حزم الظاهري ” عليه الرضوان الأعلى في رسالته العظيمة الرائعة ” مداواة النفوس يقول ” تطلبت غرضاً (أي بحثت عن شيء) يستوي جميع الناس في البحث عنه.-  فإذا جميع الناس ما يبحثون إلا عن شيء واحد ، و هو طرد الهم و الغم من حياتهم .

جميع الناس من آدم إلى قيام الساعة  إذا أردت أن تشركهم في أمر واحد تجده هو “طرد الهم و الحزن فهناك من لا يرضى بالمال و هناك من لا يرضى بالدين ، من الناس من لا يبحث عن المناصب ، ومنهم من لا تهمه الشهوات ، لكن جميع الناس يشتركون في أنهم يبحثون و يجتهدون  كيف يطردون الهموم و الغموم من حياتهم.

 فما من أحد على ظاهر الأرض سواء كان أمياً أو متعلم  مثقف  أم جاهل حضري أم بدوي  ، مسلم أم كافر  ،إلا و هو يطلب طرد الهم و الغم من حياته

منظمة الصحة العالمية وعلى موقعها  تقول : أن الاكتئاب هو السبب الرئيسي لاعتلال الصحة والعجز في جميع أنحاء العالم ، وأن هناك أكثر من 300 مليون شخص يعيشون الآن حالة اكتئاب، أي بزيادة تجاوزت نسبتها 18% في الفترة الواقعة بين عامي 2005 و 2015 ، ولربما هذه النسبة ازادت خلال الايام الماضي بسبب ازمة فيروس كرونا –  ويمكن للاكتئاب أن يسبب معاناة كبيرة للشخص المصاب به، وتردي أدائه في العمل أو في المدرسة أو في الأسرة. – ويمكنه أن يفضي في أسوأ حالاته إلى الانتحار.-  وفي كل عام يموت ما يقارب 800000 شخص من جراء الانتحار الذي يمثل ثاني سبب رئيسي للوفيات بين الفئة العمرية 15-29 عاماً.

من هنا يشير الامام جعفر الصادق الى العلاج  الذي هو اللالتجاء الصادق الى الله بقلبك ، ويكون العلامة عليه بلسانك بقولك : ”لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين .

عجبت لمن اغتمّ كيف لا يفزع إلى قوله عز وجل: ” لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ” وهنا يشير  الامام الى دليل واقعي على صدق هذا الدواء ، حيث يشير الى قصة  ذا النون –  أي صاحب الحوت  -وهو نبي الله يونس بن متى  عليه السلام ، حيث أن الله  تبارك وتعالى أرسله إلى قومه ، حيث كانوا يسكنون مدينة نينوى العراقية ، فدعاهم إلى الله والإيمان به، ونبذ الشرك ، وترك عبادة الاصنام التي لا تضر ولا تنفع ، فأبوا عليه، ولم يؤمنوا، وتمادوا في كفرهم – فوعدهم بالعذاب بعد ثلاثة أيام ، ثم خرج من بين أظهرهم مغاضبا ، قبل أن ينتظر أمر الله تعالى له بالخروج ، فظن أن الله تعالى لن يقضي عليه عقوبة ولا بلاء .

أما قوم يونس وهم من بني اسرائيل فلما تحققوا من توعد يونس ،وعلموا أن النبي يونس لا يكذب ، خرجوا الى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم ، يتضر عون إلى الله تعالى ، ويجأرون إليه ، يروي الامام الطبري عن قتادة قوله : بلغنا أنهم خرجوا فنـزلوا على تل ، وفرقوا بين كل بهيمة وولدها ، يدعون الله أربعين ليلة ، حتى تاب عليهم ، ورفع عنهم العذاب

 قال سبحانه : (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ) (يونس 98) .

أي ما من قرية آمنت عند معاينتها العذاب ، ونـزول سَخَط الله بها ، بعصيانها ربها واستحقاقها عقابه، فنفعها إيمانها في ذلك الوقت، تماماً كما لم ينفع فرعون إيمانه حين أدركه الغرق بعد تماديه في غيّه، واستحقاقه سَخَط الله بمعصيته ، إلا قوم يونس، فإنهم نفعهم إيمانهم وتوبتهم عند نـزول العقوبة .

وأما يونس عليه السلام فإنه توجّه إلى ساحل البحر حيث وجد قومًا يعدّون سفينةً لشدّ رحالهم عليها، فركب نبيّ الله معهم في السّفينة حتّى إذا ماج البحر بهم واضطرب صاح أحدهم، إنّ فينا رجلا مذنبًا ، وخافوا أن يغرقوا إن لم يخففوا من الحمل  ، فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم…فوقعت القرعة على يونس، فأبوا أن يلقوه ، ثم أعادوها ثلاث مرات فوقعت عليه القرعة ، قال الله تعالى : (فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ )(الصافات 141) يعني : فكان من المسهومين المقروعين المغلوبين ، فألقى بنفسه في البحر ، فأرسل الله تعالى من البحر حوتاً عظيماً فالتقم يونس ، وأوحى الله الى الحوت أن لا يأكله ، بل فقط يبتلعه ليكون بطنه له سجناً .

فلما صار عليه السلام في بطن الحوت (فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ ) والظلما جمع فليسة ظلمة واحدة بل ظلمات يقول عبدالله  ابن مسعود رضي الله عنه  :{ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر ، وظلمة الليل}، فاستغاث بربه السميع العليم  الذي لا تخفى عليه خافية في السماء والأرض مهما دقت وخفت – حيث يقول الله عن ألمه ووجعه : ( وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ –أي ظن ان لن نضيق عليه –  فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) (87 سورة الانبياء)

التجأ الى الله وفوض الامر الى المولى عز وجل ، هو وحده قاض الحاجات  والشافي من كل اللعل

                 يا صاحب الهم إن الهم منفـرجٌ                           كم من أمور شداد فــرج الله

                البأس يقطع أحياناً بصاحبــه                                                  لا تيأسن فإن الفــــارج الله

                الله حسبك فيما فيه عذت بــه                             و كيف يرهبهم من حسبـه الله

                إذا قضى الله فاستسلم لقدرتــه                          ما لامرئ حيلة فيما قضـى الله

                سلم إلى الله فيما شاء وأرضى به                            فالخير أجمع فيما يصنــع الله

                إذا بليت فثق بالله و أرضى بـه                              إن الذي يكشف البلوى هـو الله

إن الذي يكشف البلوى هـو الله ، كيف ؟ ، فإني سمعت الله عز وجل يقول بعقبه ، أي في عقب قول ذا النون وهو في بطن الحوت في الظلمات الثلاث ، ظلمة بطن الحوت ،وظلمة البحر ،-وظلمة الليل (  لا اله إلا انت سبحانك اني كنت من الظالِمين ) فبعدها مباشرة في الاية التالية يقول الله : (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ )(الانبياء 88)

  كذلك ننجي المؤمنين ، أي نخلصهم من همومهم بما سبق من عمله ، مصداقاً لميزان الله وقانونه الذي يقول فيه : {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ . لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} .

لذلك حصنك الحصين هو المولى عز وجل ، يروي الامام ابن ماجة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ : كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا : لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ ) .

حديث صحيح اخر يوضح المعنى أكثر ، فيما رواه الترمذي وابن ماجة وابو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ : جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ ، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ : جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ ) .                                

فإن كنت مغموماً – أو مهموماً – أو محزوناً أمامك الحصن الحصين ، أمامك الملاذ الآمن ، أمامك رب العالمين سبحانه

                ولا تجزعن إذا نالتك موجعة يوماً                       واضرع إلى الله يسرع نحوك الفرج

إضافة ايها الاحباب أكثرنا يتجاهل الموجود و يعلق نفسه بالمفقود ، وأكثرنا لا ينتبه إلى ما هو فيه من نعم عظيمة جداً ، و يظل يحرق أعصابه و يوجع في قلبه من أجل أشياء غائبة عنه .

يتجاهل سلامة بدنة ، وأنه خرج على رجليه من البيت  ، ويتنفس الهواء الطلق؟ هل هذا قليل؟! إذا كنت تظن أن هذا قليلاً فانظر من حولك ، ستجد أناسا يريدون أن يتحركوا هذه الحركة فما يقدرون! – لأنهم حبسوا في أجسادهم بالشلل ، – وهناك من يستجدي اللقمة من هذه اللقم التي ينزل عليها قضماً و هضماً لأن أجهزته الهاضمة معطوبة

 أتحسب أن الله زودك بشيء قليل؟ اسمع ماذا قال عليه الصلاة و السلام فيما يرويه البخاري في الادب المفرد :  (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا) أنت تملك الدنيا يوم أن تملك هذه الثلاثة ،

“ابن السماك” عليه الرضوان الأعلى وهو من المحدثين كان جالساً عند الخليفة العباسي هارون الرشيد  فبينما هو جالس عند الخليفة الرشيد إذ قال له الرشيد عظني ، و كان مع الرشيد كوب من الماء فأمسك به ابن السماك و قال: يا مولانا الخليفة بكم تشتري هذا الكأس من الماء إذا منع عنك قال الخليفة: بنصف ملكي و الله قال: يا مولانا فإذا شربته و منعت من تصريفه بكم تشتري تصريفه قال: و الله بنصف ملكي الآخر قال: أف لملك لا يساوي شربة و لا بوله

اللهم انا نسألك العفو والعافية – المقصد من ذلك أن لا تتجاهل ما انت فيه من النعم ، حتى ترتقي خطوة في سلم الوصول للقلب السليم تأمل وتفكر فيما عندك من النعمة التي تفضل الله بها عليك وخذ بأسباب الدنيا فامشوا في مناكبها وقل بقلبك قبل لسانك حسبنا الله ونعم الوكيل – حسبنا الله ونعم الوكيل – حسبنا الله ونعم الوكيل – والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته