القلب السليم – الحلقة الثانية من برنامج القلب

السيدات والسادة الكرام – السلام عليكم ورحمة الله وبركاته – ومرحبا بكم في لقاء جديد في هذه السلسلة التي بعنوان القلوب وأمراضها – وفي هذا اللقاء نستكمل في التعرف على القسم الأول من اقسام القلوب وهو القلب السليم – حيث قلنا في لقاء الأمس أن القلوب على ثلاثة أقسام أو انواع  ، قلب سليم ، وقلب مريض ، وقلب ميت .

حدينا عن القلب السليم الذي أسال الله أن يجعله من نصيب كل واحد منا – هذا القلب السليم ، هو قلب الانبياء  والرسل ، وهو القلب  المفترض أن يكون  قلب المؤمن  الموحد لله عز وجل .

وعندما نذكر القلب السليم – فإن أعظم مثال على صاحب القلب السليم – هو الخليل ابراهيم عليه السلام ، الذي جعله الله إماماً للعالمين ، وهو الذي جعله الله قدوة للمسلمين ، هذا النبي الكريم أبو الأنبياء ، والذي تنتسب الديانات السماوية اليه  – اليهودية والمسيحية والإسلام ، لكن المسلم له علاقة خاصة بسيدنا إبراهيم عليه السلام  ، نعم علاقة الإنسان المسلم بسيدنا إبراهيم ليست علاقة عادية – بل هي علاقة عقدية تظهر في جوانب كثيرة ، وفي مواقف متنوعة ، وهي علاقة مستمرة لا تكاد تنقطع ، يوميا حيث نصلي في كل يوم صلوات مفروضة ونوافل – فنتوجه الى القبلة  – حيث الكعبة المشرفة في المسجد الحرام ، فنتذكر الخليل إبراهيم عليه السلام وبنائه لهذا البيت الشريف الذي قال الله عنه ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )(البقرة 127) فعند جميع صلواتنا – فرضاً ونفلاً –  نتذكر الخليل إبراهيم عليه السلام .

لا نتذكره عند القيام الى الصلاة فحسب – بل أثناء الصلاة أيضاً – عند كل تشهد أمرنا الله أن نتذكر الخليل عليه السلام  فنقول : اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وعلى آل إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم .

علاقتنا تظهر مع الخليل إبراهيم عليه السلام بشكل جلي وواضح عند الحج – وعند كل شعيرة من شعائر الحج،وفي كل منسك من مناسك الحج ،  علاقتنا به تظهر في قصة الأضحية والنحر .

كما قلت لكم فعلاقتنا نحن المسلمين علاقة من نوع خاص مع الخليل إبراهيم –  فنحن مأمورون بالارتباط به ، ولذلك قال الله : (  إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) (آل عمران 68) ، هذا النبي هو المصطفى عليه الصلاة والسلام فهو أولى الناس بإبراهيم – ثم نحن المؤمنين – نسأل الله أن يرزقنا إيماناً صادقاً

وأمرنا الله باتباع الخليل إبراهيم فقال 🙁ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ) أي محمد ، فالخطاب للمصطفى عليه الصلاة والسلام  (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )(النحل 123).

والمولى عندما يأمرنا أن نتبع الخليل ، ونتخذه القدوة – لأن إبراهيم عليه السلام وصل الى أعظم الدرجات والقروبات عند رب الارض والسموات ، ولو تأملنا في قصة إبراهيم عليه السلام من خلال كلام الله  عز وجل – سنجد أن الله وصف الخليل ابراهيم بصفات متنوعة وعديدة ، وصفه بصفات جميلة جليلة – كان منها في سورة النحل : ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* شَاكِراً لأَنْعُمِهِ) … اربع صفات

كان [أمة ]، معنى أمة أي الإمام الذي يقتدى به ، [قانتاً ] القانت هو الخاشع المطيع المتضرع ، [حنيفاً ]والحنيف هو الذي ينحرف قصداً من الشرك الى التوحيد ، [شاكرا لأنعمه ] كان يشكر نعم الله عليه ، [ أمة – قانتا  حنيفا  شاكرا ].

وكذلك في سورة هود ثلاث خصال  : (  إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ )(75)

الأواه أي الداعاء ، أي كثير الدعاء ، كثير الذكر والاستغفار ، كثير التضرع الى الله .

حليم يأخذ بأسباب الصبر على البلاء – ولا يتسرع في الغضب  – وإنما يتصف بالتؤدة والتحمل والتصبر .

منيب كثير التوبة  – وسريع الرجوع الى الله .

هذه سبعة صفات ذكرها الله في حق خليله ابراهيم عليه السلام [ أمة – قانتاً – حنيفاً – شاكراً – حليم – أواه – منيب ] سبعة صفات ، وفي سورة مريم صفتان يقول عنهما المولى :  (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا )(41) فصارت تسع صفات عظيمة .

هذه الصفات التسعة – وهذه الخصال العظيمة – أوصلت إبراهيم عليه السلام  الى درجة عظيمة أدى فيها الأمانة ، ووفى بها – قال عنها المولى عز وجل في سورة النجم : (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ موسى وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفى ) وفى بجميع ما أمر به ، وفي بجميع ما نهي عنه ، وفى بجميع القروبات ، الثمرة الطبيعية لهذا الوفاء  : ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) البقرة 124 .

السؤال الطبيعي الآن – ما السر الذي أوصله الى ذلك ، ما السر – ما الكود الذي أصبح من خلاله الخليل إبراهيم إماماً للعالمين ، والتي بلغت به هذا الشأن والعلو ، وهذه والدرجة والرتبة العليا ، أي صفة ، وأية خصلة  يمكن أن تجمع هذا الخير الكبير ، إنها خصلة واحدة ، وصفة عظيمة – هذا الصفة ذكرها الله في القرآن الكريم كله مرتين – هو القلب السليم .

القلب السليم لم يذكر في القرآن كله إلا مرتين ، وفي كلا المرتين كانتا مصاحبتين للخليل إبراهيم عليه السلام .

المرة الأولى  دعاء من نبي الله إبراهيم لربه : (  وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُون إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء 87 ].

 المورد الآخر في سورة الصافات ، إخبارٌ من الله عز وجل أن نبي الله إبراهيم تحقق له هذا الطلب : ( وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيم) أي من شيعة نبي الله نوح عليه السلام حيث أنه في آيات متقدمة ذكر القران الكريم شيء من قصص نبي الله نوح مع قومه ، وبعد ذلك أردف الآيات بالحديث عن نبي الله إبراهيم : ( وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيم إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيم ) [ الصافات84 ]، فأثبت القرآن الكريم أن القلب السليم في أعلى درجاته لنبي الله إبراهيم عليه وعلى نبينا افضل الصلاة والسلام.

والسؤال الثاني الذي يفترض من كل مؤمن سؤاله – بعد أن عرفنا كود الخلاص هو القلب السليم – السؤال هو  ما القلب السليم؟ – وكيف أصل إلى هذه المرحلة؟

أما القلب السليم ، فالحقيقة أن العلماء اختلفوا في معنى القلب السليم ، و سبب اختلافهم أن كل واحد منهم نظر الى جزء من المعنى ، ويمكن أن نجمل تعاريفهم  للقلب السليم على قسمين – بمعنى أن سلامة القلب يقوم على ركنين  

  1. الركن الأول وهو ركن اعتقادي – ذكر هذا الركن أكثر المفسرين وعلى رأسهم قتادة البصري ، وهو من كبار التابعين – ومن تلامذة خادم النبي صلى الله عليه وسلم أنس بن مالك ، هذا التابعي العالم – قال له سعيد بن المسيب : ما كنت أظن أن الله خلق مثلك ، يقول قتادة  في تعريف القلب السليم أنه القلب الخالي من الشرك ، قلب موحد لله –  لأن المشرك قلبه سقيم ، مريض ، وأما الذنوب فلا يسلم منها أحد.
  2. والركن الثاني هو ركن سلوكي  – حيث هو القلب الذي لا غش فيه – ولا غل فيه – ولا حسد فيه – ولا شح ولا كبر ، قلب خالص وخال من الأوصاف الذميمة ومتصف بالأوصاف الجميلة .

ولذلك ورد في حديث ابن ماجة عن عبد الله بن عمرو قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : { أي الناس أفضل؟ قال: ” كل مخموم القلب، صدوق اللسان قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي، ولا غل، ولا حسد }.

ويروى أن سفيان بن دينار قال : قلت لأبي بشير ، وأبو بشير من التابعين – وكان من أصحاب علي بن أبي طالب رضي الله عنه – و ادرك كثيرا من الصحابة – سفيان بن دينار يقول – سألت أبا بشير فقلت : أخبرني عن أعمال من كان قَبْلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيرًا، ويُؤْجَرون كثيرًا. قلت: ولم ذاك؟ قال: لسَلَامة صدورهم  .

لسلامة صدورهم من الغل – لسلامة صدورهم من الحقد – لسلامة صدورهم الحسد – لسلامة صدورهم من الكبر – لسلامة صدورهم من النفاق  – لسلامة صدورهم من كل عدوى يمرض القلب .

ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على سلامة القلب ، فقد روى اصحاب السنن عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { لا يُبَلِّغُنِي أحدٌ من أصحابي عن أحدٍ شيئًا، فإنِّي أحبُّ أن أخرج إليكم وأنا سَلِيم الصَّدر}.

هذا الحديث يكشف عن مدى اهتمام المصطفى صلى الله عليه وسلم بسَلَامة صدره، فهو ينهى ويحذِّر من أن يُنْقَل إليه ما يُوغِر صَدْره، ويغيِّر قلبه تجاه أصحابه الكرام، رضوان الله عليهم أجمعين ، وإنما يريد قلباً يعمه الخير للجميع .

ولذلك عندما سئل الشيخ العارف بالله ذو النون المصرى عن القلب السليم اختصر الأمر فقال : القلب السليم هو الذى لا يكون فيه إلا الخير.

وهذا الصحابي الجليل أنس خادم النبي صلى الله عليه وسلم يقول كنا جلوساً مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد فقال : ( يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ) فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ .

 فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ ذَلِكَ ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا – فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى – في إحدى الروايات أن هذا الانصاري هو الصحابي عبدالله بن سلام الذي كان حبراً من أحبار اليهود فأسلم – ، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم من مجلسه تَبِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ الرجل الأنصاري فَقَالَ : إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي – لاسنته – فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ. قَالَ نَعَمْ .

يقول أنس رضي الله عنه  راوي الحديث : فكان عبد الله يُحدِّث أنه باتَ معه تلك الليالي الثلاث، فلم يرَه يقوم من الليل شيئًا، غيرَ أنه إذا تعارَّ من الليل – أي: تقلَّب على فراشِه – ذكرَ الله، فقال له عبدُ الله: لم يكُن بيني وبين أبي شيء، ولكن سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم  يقول في ثلاث مرات ( يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ) فطلعت انت في الثلاث ، فما الذي بلغَ بك هذا؟ فقال: ما هو إلا ما رأيتَ، غيرَ أني لا أجِدُ في نفسي لأحدٍ من المُسلمين غشًّا ولا أحسُدُ أحدًا على خيرٍ أعطاه الله إياه.

قال عبدُ الله: “فهذه التي بلغَت بك”.

لا يحمل في قلبه مثقال ذرة من حقد لأحد.. هكذا ببساطة آمن وصدق الله ورسوله ثم نقى قلبه من الحقد والغل فكان من أهل الجنة.

وبهذا تستطيع قياس سلامة قلبك ، بالتوحيد لله – وأن لا يكون في قلبك إلا الله ، وبحب الخير للناس ، الأمام ابن رجب الحنبلي في رسالة – عبارة عن كتيب اسمه [ الفرق بين النصيحة والتعبير ] يقول روي عن  الشيخ حاتم الاصم أنه قيل له: أنت رجل أعجمي لا تفصح، وما ناظرك أحد إلا قطعته، فبأي شيء تغلب خصمك؟ فقال: بثلاث: أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظ لساني عنه أن أقول له ما يسوؤه (الفرق بين النصيحة والتعيير ص 32).

فسألوا الله من فضله ، وأن يمن عليكم بقلب سليم –  وأما الطريق ، والسبيل للوصول للقلب السليم ، فهذا موضوع حديثنا  في اللقاء القادم  باذن الله – والى غد استودعكم الله – والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته