بعد 15 عاما…أين وصلت قضية مقتل الشيخ محمد معشوق الخزنوي

تقرير لمركز توثيق الانتهاكات في شمال سوريا

بتاريخ 10 أيار \ مايو 2005 داهمت “قوات أمنية” مقر إقامة الدكتور “محمد معشوق الخزنوي” ضمن “مركز الدراسات الإسلامية بدمشق” الذي كان يشغل فيه محاضراً ونائباً للرئيس، وبعد 20 يوماً أعلنت السلطات إنّها عثرت على جثته في مدينة دير الزور قرب الحدود السورية مع العراق في 1 حزيران \ يونيو 2005.

حادثة الاعتقال التي لم تعترف الحكومة السورية بتنفيذها جاءت بعد 6 أيام (تاريخ 4 أيار) من القاءه كلمة وصفت بالنارية كرر فيها انتقاده لتصرفات قوات الأمن والحكومة السورية وتعاملهم مع الأحداث التي جرت في ملعب مدينة القامشلي، 14 آذار، 2004، والتي تحولت لانتفاضة كردية، قابلها الأمن والجيش السوري بإطلاق الرصاص على المتظاهرين وقتل العشرات منهم، إضافة إلى اعتقال الآلاف وقتل عدد منهم تحت التعذيب.

تورط المخابرات السورية كانت ملامحه واضحة وارتبطت عموما بالخطر الذي باتت السلطات تخشاه مع تكثيف الخزنوي نشاطه بعد أحداث 12 آذار عام 2004 عبر إلقاء الخطب في المساجد واللقاءات التلفزيونية والندوات وزيارات لخارج سوريا وإجرائه سلسلة لقاءات مع وسائل إعلامية ، إضافة إلى انضمامه أخيرا إلى منظمات تعني بحقوق الإنسان مركزا على الدعوة إلى الحقوق الكردية، والدفع لمناهضة سياسة الظلم والاضطهاد المفروضة على الكرد.

في 8 أيار 2005 قال في خطبته بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لمقتل الشاب فرهاد محمد تحت التعذيب على يد الأجهزة الأمنية السورية : (لن نسمح بعد اليوم بأن تنسونا شهدائنا)، (يجب أن نحول الموت إلى حياة)، ( الحقوق لا توهب صدقة إنّما الحقوق تؤخذ بالقوة).

وفي مقابلة خاصة أجرتها معه (مكتبة جارجرا للثقافة الكوردية) بتاريخ 28 أيار 2005 لخصت موقفه ( الكرد منذ 50 سنة يتعرضون للقمع والظلم وتغيير الأسماء وحجب الجنسية والإنقطاع عن الوظائف والمواقع وإبعادهم عن أراضي أجدادهم إلى مواقع أخرى ، وتغيير أسماء قراهم وزجهم في السجون وتعذيبهم …) وقال (هذا الواقع كان ينبغي أن يزول وأنا أتصور أنّ الخسارة كانت كبيرة يعني فقدنا ما يقارب 40 شابا وقعوا صرعى بأيدي آثمة وجرح ما يقارب 500 جريح والآلاف سجنوا وأخرج الكثير منهم لكن لازال العشرات باقون…) واعتبر أنّ احداث 2004 يجب أن يستفيد منها الكرد كونها أوصلت قضيتهم إلى الأوساط الدولية والعالمية، ويجب عدم السكوت عن الظلم، طالما أنّنا كسبنا تعطافا دوليا….

كما كان يدعو في غالب خطبه، الحكومة السورية إلى الاعتراف بالهوية القومية الكردية كثاني قومية في سوريا دستورياً، وتعزيز المشاركة الإدارية للمجتمع الكردي في سائر ميادين الحياة، والاعتراف باللغة والثقافة الكردية وتطويرها وتعزيزها وإعادة الجنسية للمجردين منها:
«العرب والكورد يشكلان معاً وحدة أخوية متكاملة ضمن النسيج السوري، ويتحملان معاً واجب الدفاع عن وحدة التراب السوري وحضارته وإنجازاته عبر التاريخ، ولهما الحقوق نفسه في المواطنة التي ينبغي أن تتغلب على أيّة صيغة أخرى».

الاختطاف:
تسببت مجملة مواقفه التصاعدية، والكلمة التي ألقاها (الشيخ خزنوي) في 8 أيار \ مايو 2005 -على مايبدو- في تعجيل (الأمن السوري) باتخاذ قرار اعتقاله، حيث تمت مراقبته، بما أفضى إلى اعتقاله في دمشق، وقد سرب تقرير أمني لاحقاً صادر عن الاجتماع الأمني في محافظة الحسكة، ورد فيه (أنّ معشوق الخزنوي أصبح ظاهرة مقلقة ويجب التخلص منه!).

تم اختطافه الخزنوي في 10 أيار 2005 أثناء تواجده في دمشقَ يوم الاثنين ليلة الثلاثاء. في جمع ومتابعة عدة شهادات تبين لنا أنّ عناصر من جهاز المخابرات السورية) قاموا بمداهمة مقر إقامة “معشوق الخزنوي” بدمشق الذي كان داخل مركز الدراسات الاسلامية بساحة الميسات بجانب وزراة الأوقاف، والذي كان يديره زميله، وعضو البرلمان السوري (محمد حبش) إضافة لـ زوجته (أسماء كفتارو) وهي حفيدة الشيخ أحمد كفتارو المفتي العام الأسبق لسورية وأجبروه على الذهاب معهم و اقتادوه إلى مكان مجهول.

متابعة خط سير عملية الإختطاف يكشف أنّ مجموعة الاختطاف A سلمت (الخزنوي) إلى فرع المخابرات الجوية، الذين قاموا بنقله إلى سجن صيدنايا قرب دمشق وجرى كل ذلك بسرية تامة.

بعيد إعلان تسريب الاختطاف خرجت مظاهرات بمدينة قامشلو مسقط رأس الشيخ وانتقلت لعدة مدن سورية وخارجها، أتهم المتظاهرون وأفراد من عائلته السلطات والجهات الأمنية بالخطف وطالبوا بالإفراج عنه، كما أدانت منظمات حقوقية عالمية وأحزاب سياسية ودولٌ الاختفاء القسري للشيخ وطالبوا بالإفراج الفوري عن الشيخ المختطف، بيد أنّ السلطات السورية لم تستجب للدعوات، لا بل شنت حملات اعتقال في صفوف المتظاهرين، كان منها مطاردة المحتجين من دوار المحافظة في دمشق المكان المقرر للتظاهر إلى ساحة باب توما وتفريق الجموع بالقوة في 30 ماي 2005 .

تطمين العائلة :
خلال مطاردة المتظاهرين الغاضبين على اختطاف الدكتور الخزنوي وفي ساحة باب توما بدمشق، وفي محاولة إنهاء التظاهر وضمان عدم انتقال المتظاهرين إلى ساحة أخرى من ساحات العاصمة، اقترب ضابط من نجلي الشيخ الخزنوي اللذين كانا في التظاهر الشيخ مراد والشيخ مرشد، وعرف بنفسه أمام الجموع المحتشدة بأنّه من القصر الجمهوري وقال (الشيخ الخزنوي بخير وسوف تسمعون أخبار طبيبة عنه، اذهبوا إلى بيوتكم ولا تتجمعوا). كان هذا أول اعتراف رسمي بأنّ (الخزنوي) معتقل من قبل الأمن السوري ولم يختطف من قبل عصابة كما تم الترويج له.

خلال اليوم ذاته أصدر محمد حبش النائب في البرلمان والذي يدير مركز الدراسات مع الشيخ الخزنوي بياناً دعى فيه المحبين والأصدقاء والجماهير للدعاء للشيخ الخزنوي حيث يلاقي مصيرا مجهولاً في قبضة جماعة إرهابية.

يقول الشيخ مرشد نجل الشيخ معشوق في تصريح خاص لـ “مركز توثيق الانتهاكات” إنّ هذه كانت إشارة صادمة ومقلقة :” عندما راجعت الدكتور حبش في مكتبه في مركز الدراسات الإسلامية معترضاً على هذا البيان أجاب بنبرة مرتجفة وغاضبه: إسمع! الذي تعرفه أعرفه أكثر منك ولا أقول إلا هذا وهو يلوح بنسخة من البيان الذي أصدره بيده”.

يقول مرشد إنّه في اليوم الثاني 31 أيار راجعوا إدارة الأمن السياسي شعبة الميسات التي كانت تمسك بملف الشيخ الخزنوي وعند سؤالهم عن الجديد في القضية فوجئوا باخبارهم أنّ الملف تم تحويله الى الإدارة العامة للأمن الجنائي

يقول مرشد إنّ هذه كانت ثاني الإشارات عن مصير الشيخ التي حاولوا عدم تصديقها وإقناع أنفسهم أنّ الأمور ستكون بخير.

وكملاحظة فإنّ الدكتور (محمد حبش) بعد اختطاف واغتيال (الخزنوي) واصل عمله في إدارة المركز، وسعى لتبرئة الحكومة السورية مرارا ودعم روايتها حول الاختطاف حتى تاريخ 16 أبريل 2009 حيث أغلقت السلطات السورية المركز دون توضيح الأسباب، وبعد أحداث 2011 في سوريا، غير من روايته للأحداث ووجه الاتهام بخطف وقتل الخزنوي.

شهادة طبيب:
تمكنا في (مركز التوثيق) من الوصول إلى شهادة طبيب في مشفى تشرين العسكري، الذي كشف أنّ (السلطات الأمنية) نقلت إليهم (معتقلا برقم خاص) بتاريخ 28 أيار \ مايو 2005، وأنّه كطبيب تعرف عليه، أنّه (الدكتور معشوق الخزنوي)…الطبيب لم يؤكد أنّه عاينه، ولم يحدد سبب نقله إلى المشفى، والتعجل في إخراجه…. “غادر وهو على قيد الحياة رغم الحالة السيئة والمنهكة التي كان عليها….”.

الاغتيال:
في 31 أيار\ مايو 2005، تم استدعاء نجلي الشيخ الخزنوي المختطف مراد ومرشد إلى مقر الإدارة العامة للأمن الجنائي بدمشق الواقع خلف مبنى الإذاعة والتلفزيون بساحة الأمويين الساعة الحادية عشر ليلاً وأخبروهم أنّ الإدارة تحتاج منهم المساعدة في الإطلاع على بعض الصور والفيدوهات مما قد يشير إلى موقع اختطاف الشيخ الخزنوي – تماشيا مع بيان حبش – بقيت العائلة في مبنى الأمن الجنائي إلى الساعة الرابعة فجراً دون أن يخبروا بشئ، وعند الرابعة فجرا نزلوا برفقة عناصر أمنية إلى قبو المبنى حيث أدخلوا إلى سيارة تابعة للأمن من نوع أوبل صالون بيضاء واتجهت ضمن موكب متعدد السيارة الى الطريق، دون أن يعرف نجلي الشيخ المختطف وجهتهم، مع قطع تواصلهم مع العالم الخارجي.

يقول مرشد لمركز التوثيق: كنا نتعرف على وجهتنا شيئاً فشيء حيث كنا نعبر بعض الطرق والأماكن مما يحدد لنا الاتجاه وليس الوجهة يضيف مرشد أنّ سيارة دفع رباعية من نوع برادو كانت تسبق الموكب وكلما كانت المسافة تقل بين سيارتهم وسيارة الدفع الرباعية يتعمد السائق إبطاء السرعة حتى تحتفظ بمسافة، يضيف مرشد إنّه وأخاه الأكبر مراد كانا يتجاذبان أطراف الحديث أثناء السير ظناً أنّ والدهما في تلك السيارة.

توقف الموكب قرابة الساعة السادسة والنصف عند مدخل الكراجات في مدينة ديرالزور تجمع الموكب من دون سيارة الدفع الرباعي حول عربة سحلب كانت تقف أمام مدخل الكراج لتصل بعد دقائق سيارة أمنية زرقاء من نوع أوبل صالون تابعة إلى فرع الأمن الجنائي بديرالزور ينزل منها عنصر يخبر قائد المجموع والذي تبين أنّه الضابط الذي عرف بنفسه خلال تظاهرة باب توما إنّه من القصر الجمهوري ليقول له العنصر سيدي كل شيء جاهز ليستمر الموكب في طريقه بضع أمتار خلف الكراجات حيث مقبرة وحيث سيارة الدفع الرباعي وقبر من الاسمنت المسلح مفتوح من جانبه من ناحية القدم وجثمان الشيخ الخزنوي مقتولا ممددة بجانب القبر.

وسلمت لهما جثة الشيخ مرفقة بتقرير (سماعي) أنّه كان مدفوناً، وأنّ إكرام الميت دفنه لكننا لا نستطيع إلى اللحظة معرفة الجناة والفاعلين، شهادة نجلي الشيخ كانت (القبر كان مفتوحاً قبل وصولنا…. جثة والدنا لم تكن في القبر وإنّما كانت ممدة بجانبه، كانت بحالة جيدة وغير متسخة ولا متفسخة …كانت هنالك علامات تعذيب وتشويه واضحة على الجثة).

مسرحية المقابلة التلفزيونية:
بتاريخ 2 حزيران 2005 أجرى التلفزيون الرسمي السوري لقاءً مع ثلاثة ممن أدعت بتورطهم في عملية خطف وقتل الشيخ الدكتور محمد معشوق الخزنوي. كان المذيع يجلس بكل هدوء ولا تبدو عليه أيّة علامات تشنج أو تأثر أو انفعال مع من وصفهم بأنّهم منفذي عملية خطف وقتل الشيخ الخزنوي، وأمامهم طاولة صغيرة عليها كأسين من الشاي وكأسي ماء، وكأنّهم في جلسة ودية أسمائهم (محمد مطر عبدالله، ياسين مطر الهندي، …..)
يبدأ المذيع ويطلب من المتهم محمد بأن يتكلم عن دوره في جريمة خطف وقتل الشيخ معشوق.

وبدون تردد يسرد محمد قصته كاملة، وكأنّه تم تلقينه الكلام حرفيا…بدأ محمد متحدثاً عن دوره الذي قال عنه بأنّه تلقى تعليمات من المدعو ( عبد الرزاق ) بمراقبة الشيخ الخزنوي، -لم يوضح سبباً لتلك المراقبة ولم يعلل أسباب تكليفه بتلك المهمة- علل الجريمة، “حيث قال بأنّ الشيخ كان قد خالف طريقته الخزنوية، ويكتب كثيراً في الإنترنيت”… وذكر بأنّه كان لا يعلم بأنّ نهاية هذه المراقبة ستؤدي إلى خطفه ومن ثم قتله….إلا أنّه أردف ليقول بأنّه أصبح على علم فيما بعد بأنّ من كلفوه بمهمة مراقبة الشيخ سوف يختطفونه…وقال بإنّه بقي ملتزماً معهم في عملية استدراج الشيخ وخطفه وقتله ودفنه خطوة بخطوة.

لم يسأله المذيع عن “عبد الرزاق” هذا الذي كان قد ادعى محمد بأنّه كلف من قبله بمراقبة الشيخ، وما هي معرفته الحقيقية به، وما هي سلطة عبد الرزاق عليه حتى يلتزم بأوامره إلى النهاية، ولم يسأله عن مصلحتهم المشتركة في تلك العملية؟.

كان المدعو محمد مطر يسرد مجريات تنفيذهم لتلك الجريمة بدون مبالاة، وكأنّه يروي حكاية عابرة أو قصة عادية، غير مبال بوجوده في قبضة الأمن السورية التي تجاوز رعبها الحدود السورية، وعانى من سطوتها كل اللبنانيين والسوريين على مدى عقود طويلة من الزمن.

قال محمد بإنّهم أخذوا الشيخ في الظهيرة لتناول الغداء في مطعم الشلالات بدمشق، -دون أن يتكلم عما فعلوا به طول ذلك النهار والليل بكامله-، وأردف ليقول بأنّ عبد الرزاق كان قد قدم له بعد تناول الفطور كوباً من عصير وضع له فيه حبوباً مخدرة والتي لم تؤثر فيه، مما دفع ليذهب ليأتي بحقن مخدرة ليحقنه بها على دفعتين. ثم لفوه بفروة وغطوا رأسه بلفحة ( محرمة حمراء ) لينقلوه بعدها مخدراً إلى حلب.

لم يُسأل محمد عن سبب خطف الشيخ إلى حلب ليُقتل هناك خنقاً ومحاولة إخفاء الجثة بالأسيد ثم لتراجعوا ليقرروا تكفينه ثم ينقل بعدها ميتاً إلى دير الزور ليدفن هناك كما قال.

تجدر الإشارة إلى أنّ المدعو عبدالرزاق والذي يدعى إنّه من أعطى الأوامر بخطف الشيخ الخزنوي وجد مقتولاً في شاحنة هونداي بيضاء متوقفة على سكة قطار قرب الحسكة ليصطدم بها القطار كان على متنها الشيخ عبد الرزاق جنكو الذي أكد أنّه هو من حمل الهوية الشخصية للمقتول وأنّه كان المدعو عبد الرزاق لينقل بعدها إلى المشفى الوطني في الحسكة لوقت قليل قبل أن يحذف اسمه من سجلات الدخول وليصار إلى دفنه في مسقط رأسه قرب البوكمال ليسرق الجثمان من القبر ليكتشف لاحقاً بعد سنوات أثناء حفر قبر أحد المتوفين (الحاج محمود غزالة) في قرية تل معروف مسقط رأس الشيخ معشوق أنّ عبد الرزاق اختطف من قبره في مسقط رأسه ليدفن في قبر مجهول بقرية تل معروف .

أما المتهم الآخر ياسين مطر الهندي فكان مكشراً ومتجهماً ويبدو عليه القلق، ويتظاهر بالشرود، لكنه عندما سُئل عن دوره تكلم بكل أريحية، وهدوء -لم يسأله المذيع سوى أسئلة قليلة- وكأنّه لم يرغب منه إلا لينحصر دوره في الجريمة فقط باستئجار غرفة لعبد الرزاق ومن معه في مخيم اليرموك ليسكنها ويراقبون الشيخ ثم يؤدبونه فيما بعد في إحدى المزارع كما قال هذا الأخير الذي استأجر لهم غرفة يوم 7 أيار 2005 لينتهوا منه بشهادته في يوم الحادي عشر من الشهر الخامس.

ولم تُطرح عليه أية أسئلة من تلك التي كان من المفترض أن تطرح لمعرفة من يقف وراء هذه العملية برمتها وما هي دوافعهم في تلك العملية، وماذا تقاضاه هو وغيره مقابل تنفيذهم لتلك الأدوار …؟؟؟!! أسئلة كثيرة كان لا بد أن يُسأل هذا الأخير عنها، بيد أنّه ظهر كما يقول ( وكأنّه كان ضيف شرف لا أكثر ولا أقل ).

أما الشيخ العجوز الملتحي فقد كان قلقاً وخائفاً وسرعان ما قال بإنّه بريءٌ من كل شيء وأسرع المذيع بدوره لينهي الحديث معه

لربما كان قد أُستدرج هذا الشيخ من مكان عمله كحارس في مزرعة بالزبداني ليلتقي بشيخه، وكان القصد من استدراجه إلى مكان وجود الشيخ هو لغاية في نفوس منفذي العملية أو ليؤدوا به دور لم يكشف النقاب عنه، ولم يدخل المذيع معه في أسئلة بعد أن أنكر التهمة بصوت مرتبك؟؟.

أما محامي الدفاع وكأنّه جُلب ليثبت الجريمة على المتهمين على الهواء مباشرة، وقال بداية إنّ هؤلاء المتهمين أدلوا بإفادتهم بملء إرادتهم ودون أي ضغط أو إكراه.

وبعد أخبار المساء أُحضر إلى تلك الحلقة المحقق الذي كان قد كلف بالتحقيق في هذه الجريمة، ولدى حديثه عن دوره وما أسند إليه في الجريمة، قال بإنّه تسلم المهمة يوم 30 أيار 2005 أي بعد عشرين يوماً من اختفاء الشيخ تماماً..!!

أليس هذا الأمر غريب للغاية. ليؤجل التحقيق في قضية اختطاف شخص مدة عشرين يوماً وهو مختف. لا سيما وأنّ هذا الشخص يتمتع بمكانة اجتماعية كبيرة، وله نفوذ واسع في الأوساط الشعبية والمثقفة وكان يدير مركزا يشارك فيه أعضاء في البرلمان وأناس من دار الإفتاء القريبة من القصر الجمهوري، وكتب عنه الكثير من الصحف والمواقع الإلكترونية، وصدرت بشأنه بيانات استنكار من أحزاب وجمعيات حقوق الإنسان سورية وعربية وعالمية، وتحدثت عنه وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، وسيرت بشأنه مسيرات للكشف عن مكان وجوده وتحديد منفذي عملية اختطافه.

دخل المحقق مباشرة في تفاصيل غير ذي فائدة مركزاً على وصف الطريق المؤدي إلى المقبرة التي كان قد دفن الشيخ فيها بديرالزور، وأنّها تقابل كراج البولمان، وكيف انحرفوا عن الطريق الذي كان قد أشار إليه محمد ليدلهم على المكان الذي دفن الشيخ فيه، ثم رجعوا إليه وأداروا نحو اليمين ليقفوا بجانب القبر الذي قال عنه بإنّ شكله كان قد تغير كما كان قد وصفه له منفذ الجريمة، ولم يتغافل عن ذكر كيفية نبش القبر بالكريكات فقط. دون اللجوء إلى المعاول لأنّ تربة القبر كانت رخوة بدلالة أنّ القبر كان جديداً. كذلك قال بإنّه سرعان ما تجمع الذباب حولهم….إلخ.

ثم ذكر بعض الأدلة الجنائية التابعة للطب الشرعي، ليؤكد على أنّ من أخرجوه من القبر هو الشيخ نفسه، والذي كان يتضح على إحدى يديه ندبة، وتأكدوا من وجود عملية فتق سابقة كانت قد أجريت له كما كان قد أدلى به أولاده، وهذا ما أكد عليه الأطباء، وأضاف بأنّهم اتصلوا هاتفياً بطبيب الأسنان الذي كان الشيخ يعالج عنده ليؤكد لهم بوجود سنين من الذهب ضمن أسنانه، وكما كانوا قد عثروا عليهما في فمه….

تحدث (المحقق) عن كل شيء، إلا الأمور المهمة المرتبطة بالقضية، وحيثياتها، وهذا كان مقصودا على مايبدو لتشتيت ذهن الناس، لم يذكر قطعاً عن ضبط أدوات الجريمة، وعن كيفية اعتقال المجرمين وكيف تجمع كل هؤلاء لخطف وقتل الشيخ ولحساب من نفذت تلك الجريمة. ولم يتطرق إطلاقاً إلى أنّه زار تلك الأمكنة التي احتجز الشيخ فيها لا في دمشق ولا في حلب ولم يذكر بأنّ أخذ بصمات من تلك الأمكنة ليطابق بها بصمات المجرمين.
كذلك لم يذكر أنّه جمع مواد عينية نفذت بها الجريمة، ولا تلك التي ساعدته على كشفها، ولا ماهية السيارات التي نقل بواسطته الشيخ، ولم يذكر الطريق الذي سلكها المجرمون لنقله من دمشق إلى ديرالزور، ولم يذكر بأنّه أشرف على إعادة تمثيل أدوار الجريمة من قبل منفذيها.. وووو. وأين كانت قوى الأمن والدوريات طيلة ذاك اليوم، ليتم نقل (مختطف أو جثته) من دمشق  حلب ، ومنها إلى ديرالزور. رغم أنّ الأمن السوري منتشر في كل مكان في العاصمة السورية وعلى الطرق وفي مداخل ومخارج المدن الكبيرة، خصوصا وأنّ المكتب -مكان الاختطاف- يقع بين نقطتين هامتين على اليمين مبنى وزارة الأوقاف، وعلى الشمال ببضع امتار مقر شعبة الأمن السياسي .

ذلك يكشف عن تورط الأمن السوري في العملية من البداية حتى النهاية وحتى في فبركة سرد القصة، والجريمة لم تنفذ بتلك الصورة التي تحدثوا عنها وإنّما بطريقة أخرى ومغايرة تماما لما أرادوا أن يقنعوا بها مشاهدي التلفزيون السوري الرسمي.

التقرير الطبي:
أثبت التقرير الطبي للحكومة السورية أنّ الجثة كانت متوفاة منذ زمن وبقيت فترة طويلة دون دفن(الذباب تكوم عليهم لمجرد أن رفع التراب عنه بمعنى أنّ جسمه كان قد تحلل بشكل لم يستطع حتى ولديه من أن يؤكدان سوى 80% )
حددت أسباب الوفاة بأنّها (الوفاة خنقا).

موقف العائلة:
طالبت عائلة الشيخ بتشكيل لجنة تحقيق دولية في ظروف اغتياله، وقال الشيخ مرشد الخزنوي، لدينا تصور لعملية اغتيال (الشهيد الشيخ معشوق) وتأكدت لنا تلك الصورة بعيد عملية الاغتيال، وقال كذلك “بيانات وزارة الداخلية هي لوزارة الداخلية… لن نتحدث حتى نسمع الاستجوابات التي يذيعها التلفزيون.”
وأضاف قائلا دون أن يذكر تفاصيل “كنا متأكدين أنّ الشيخ سيقتل.”

في الثاني من حزيران وبعد إذاعة التلفزيون السوري لتلك المسرحية وفي اليوم الأول لمجلس العزاء الذي احتشد فيه الآلاف قرأ الشيخ مرشد بيان العائلة التي حملت وبشكل وواضح وصريح مسؤولية اغتيال والدهم للسلطات السورية ، معتبرين أنّ من أخرجتهم الحكومة على تلفزيونها ما هم إلا أدوات تريد السلطات الأمنية من خلالهم إبعاد المسؤولية عنها .

بعد عشرة أيام تم استداعاء نجلي الشيخ إلى دمشق امام قاضي التحقيق الأول مع منع محاميهم وهم الاستاذ صبري ميرزا وأنور النبي وخليل معتوق من الحضور والاطلاع على ملف القضية، والاكتفاء بحضور المحامي رياض طاووس طالب الشيخ مرشد الخزنوي برفع القضية على ماهر الأسد شقيق الرئيس السوري لما يمتلكه من أدلة تدينه، لكنهم منعوا من رفع القضية ولم يسمح لنجلي الشيخ الخزنوي إلا بتنصيب انفسهم مدعين على الثلاثة الذين ظهروا على التلفزيون فامتنعت عائلة الشيخ معشوق.