«مساجد الضرار»ومشاركتها في دعم وشرعنة القتل

الدكتور مرشد معشوق الخزنوي

 

يقول الله تعالى كاشفًا إحدى أدوات الباطل الخبيثة في محاربة الحق وأهله: (( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنِّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ  فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا  وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ )) [ التوبة: 107، 108].

تحدث المفسرون كثيراً في هذه الآية وتفسيرها وقد أجمل وأجمع فيه ابن كثير في تفسيره أُورده باختصارٍ غير مخل ، أنه كان في يثرب [ المدينة المنورة ] قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليها رجلاً من كبراء قبيلة الخزرج وشرفائها قد تنصر وكان له علم من الانجيل يدعى أبو عامر الراهب .

فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجراً إلى المدينة المنورة على سكانها أفضل الصلاة وأتم التسليم ، واجتمع المسلمون عليه، وأظهرهم الله يوم بدر، اظهر أبو عامر الراهب الخزرجي العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم وصحبه ، وخرج فاراً إلى مكة، ملتفاً حول كبرائها يؤلبهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم أحد، ولما انتهى من تجهيز قريش ذهب أبو عامر إلى هرقل ملك الروم، يستنصره على النبي صلى الله عليه وسلم ، فوعده ومنَّاه، وأقام عنده، وكتب أبو عامر إلى جماعة من قومه من الأنصار في المدينة من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويغلبه ويرده عما هو فيه، وأمرهم أن يتخذوا له مقراً ومركزاً يَقْدمُ عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه، ويكون مقراً له إذا قدم عليهم بعد ذلك.

فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء، فبنوه وأحكموه، وفرغوا منه قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك.. ثم نزل القرآن الكريم يفضح مكرهم، وأمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بهدم مسجدهم وبحرقه.

وهذه الأيات تظهر بوضوح وجلاء اسلوباً من أساليب محاربة الحق والعدل ، من خلال تفريغ الشعائر و الأهداف من مضامينها ، والإبقاء عليها رسماً وهيكلاً فارغاً ، وعزلها عن جوهرها وحقيقتها.

فمساجد الضرار من جنس المساجد ولها دعوة ظاهرية بالحق والخير ، لكنها ستار يخفي الكثير من الكذب والدجل ، وتضمر الحقد والخبث من خلال الترويج لإيقاع الأذى ، ونشر الحرب والقتل ، والتفريق بين المؤمنين ، وكل ذلك تحت ستار شعارات براقة لامعة مشابهة لشعارت الحق والخير .

فمحاربة المفاهيم الصحيحة، لا يكون فقط بنشر مفاهيم باطلة، بل بإيجاد مفاهيم مشابهة للصحيحة، بحيث يكون باستطاعتها أن تَحرفها عن مسارها، وتفرِّغها من مضمونها.

ومنذ وفاة المصطفى عليه الصلاة والسلام ولم تقف المحاولة عن بناء مثل هذه المساجد ، وعبر التاريخ كانت حركتها تابعة لوعي المجتمع وثقافتها مداً وجزراً ، انتشاراً وتقلصاً وصولاً الى ما نشاهده اليوم من هذه المساجد .

ملامح مساجد الضرار:

وللمتمعن في الأيات السابقة التي تحدثت عن مساجد الضرار يستدل على هذه الملامح التي يمكن من خلالها التفريق بينها وبين مساجد الله ، وعلى رأس تلك الملامح التي يعرف بها هذه المساجد هي سعيها الدؤب للإضرار بالناس والمجتمع ، وهذا واضح بجلاء في قول المولى عز وجل 🙁وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ) أى هو مسجد لإلحاق الضرر بالناس ، مسجد كانت الصلاة فيه واجهة للتخفي ، وحلقة الدرس والذكر فيه كانت لدس السموم في العسل ، والعبادة فيه كانت لتحقيق أهداف دنيوية خاصة بمن أقاموه وهو الإضرار بالناس من خلال السيطرة عليه باستغلال الدين وتلك الشعارات الجميلة ، فهم خبراء وعلى علم ودراية بما للدين من قدسية وإمكانية في ترويج افكارهم وتسهيل مصالحهم اذا ما تم تطويع الدين لهم.

والإضرار بالناس والمجتمع يكون على ضربين .

الضرب الاول :  من خلال عزل الفرد وتجهيزه ليكون أداة بأيديهم ، فهم كما قلنا خبراء وعارفون أن المسلم يدخل إلى هذا المساجد متمثلاً بأمر وسنة النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام بالسكينة والوقار ، يعلمون أن المسلم يدخل متهيىء للسمع الطاعة، وحينئذ يستغل المسلم المسكين البسيط من قبل إدارة المسجد والقائمين عليه باستخدام شعارات اسلامية عامة وفضفاضة ليتم به عزل المسلم المسكين عن مجتمعه ، ويصور له أنهم وكلاء الله في الكون وتسود صورة المجتمع في مخيلته ، وليتحول إلى أداة بأيديهم يقنع بما يريدون ليحققوا مصالحهم الدنيوية، باستغلال اسم الله العظيم وعلى حساب بقية المجتمع ، هنا يكون الحاقهم الضرر بالمجتمع في صورته الأولى .

الضرب الثاني : وذلك يكون حين يؤمر هذا المسلم الذي تم عزله عن محيطه ومجتمعه ليحارب المسلمين ويفرق بين صفوفها ،  واكثرها خطورة عندما يُحول إلى آلة قتل وتدمير للبشر تماماً كما فعلتها المؤسسة الدينية في تركيا من خلال تشغيل ماكينة مساجد الضرار لتقذف بالقتلة على حدود عفرين .

فمنذ الغزو والعدوان التركي على عفرين كانت لمثل هذه المساجد الدور الكبير في الشرعنة والدعم المعنوي ، فإدروغان والذي ينتمي إلى التنظيم العالمي للإخوان المسلمين قد تعلم وعرف فنون استغلال الدين والاخلاق في مدرسة الضرار مدرسة الإخوان المسلمين ، واليوم ومن أجل أن يلعب بعقول البسطاء من المسلمين في قرى كردستان وتركيا والعالم الإسلامي تحركت مساجد الضرار وعبر إدارتها وأئمتها الذين يسبحون بحمد اردوغان الابن الوفي للتنظيم العالمي لجماعة الاخوان المسلمين من أجل شرعنة هذه الحرب القذرة على عفرين وأهلها ولم يقصر أئمة هذه المساجد ، مساجد الضرار سواء في صلواتهم اليومية أو في قنوتهم ، أو في خطبة الجمعة ، أو في عقد حلقات الذكر والدرس في شيطنة الكرد وتكفيرهم ، وتشجيع من خدروهم في الخروج الى عفرين .

وكان من الشر أن يستغل مجموعة من طلبة العلم الشرعي بسبب لجوئهم الى تركيا ، أن يستغلوا في لقمة عيشهم ، وفي رواتبهم ، وفي مقراتهم التي وهبت لهم ليؤسسوا المجلس الإسلامي الاعلى ليخرج من أفواهم الكفر ولتخط أيديهم فتاوى القتل والتحريض نسأل الله السلامة باسم الدين ، والمولى عز وجل يقول في محكم كتابه (( وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ  إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ)) [ سورة النحل 116 ].

وهم يشتركون فيما قاله عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم في الخوارج فيما اورده البخاري عنه قال : إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين.

وهذا ما كان من المجلس الاسلامي السوري الأعلى في فتواه المناصرة للغزاة الترك على عفرين انطلقوا الى آيات وأحاديث نزلت في الكفار والمشركين المقاتلين فجعلوها على أهل عفرين والمدافعين عنها

إزاء هذه المحاولات، يجب أن نعلم

أولاً : أنها محاولات تأتي في السياق الطبيعي للمعركة بين الحق والباطل، ومعركة الظالم على المظلوم ، والتي يستخدم فيها الباطل والظالم كل الوسائل المتاحة لديه وكل الإمكانيات المتوفرة لدية ، لترسيخ أقدامه، وتحقيق أهدافه.. حتى ولو بأيدي بعض اصحاب الفضيلة والسماحة والدكترة ، والعمائم كالمجلس الإسلامي السوري الأعلى ، او حركة الاخوان المسلمين ، او الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين .. فلا عجب!

ثانيًا: علينا أن نحرص بشدة على تجلية المفاهيم والقيم الإسلامية التي تشوهت لدى الناس، وعلى إبقاء الوعي بها ناصعًا نقيًّا، بعيدًا عن الشبهات والانحرافات.. حتى نتجنب محاولات بث الفتن والسموم في الفكر والوعي.

بذلك، تَبقى لـلمساجد فاعليتُها ودورُها الصحيح المستقيم.. وتنكشف الأدوار الخبيثة المنحرفة التي تؤديها «مساجد الضرار»!