مقارنة بين الانبياء

شيخ الشهداء الدكتور معشوق الخزنوي

خطبة جمعة في جامع أبي ذر الغفاري بادلب 1991

يقول الإمام المفسر ابن كثير : لما خلق الله نور نبينا أمره أن ينظر الى أنوار الأنبياء فغشيهم ، فأنطقهم الله به ، قالوا يا ربنا من هذا الذي غشينا نوره ؟ ، قال : هذا نور محمد بن عبدالله إن أمنتم به جعلتكم أنبياء ، قالوا : آمنا به وبنبوته ، قال : أشهد عليكم ؟ ، قالوا:  نعم ، فذلك قول الله تعالى  ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَـمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتٰبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّٰهِدِيْنَ﴾ [ سورة آل عمران : الآية 81 ] .

فقد روي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما في تفسير الآية السابقة: “ما بعث الله نبياً من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه” . [ انظر تفسير ابن جرير 2/236 ، وتفسير ابن كثير 1/386 ] .

أيها الأحبة : إن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو خلاصة هذا الوجود ، وهو واسطة العقد الإلهي الفريد ، ولم يخلق الله أكرم منه ، وإن جميع الأنبياء تحت لوائه ، ولو كان النبي في زمن آدم أو نوح أو ابراهيم أو موسى أو عيسى عليهم السلام  لما تخلفوا عن متابعته وتصرته ،  كما روى الإمام احمد عن جابر أن  النبي صلى الله عليه وسلم : { لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي } ، ويوم ينزل المسيح عليه السلام سيوفي بميثاقه وسيكون تابعاً للحبيب الاعظم والرسول الاكرم سيدنا محمد كما جاءت بها الاحاديث .

وروى الإمام الترمذي أن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسوا ينتظرونه، قال: فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم، فقال بعضهم: عجبا إن الله عز وجل اتخذ من خلقه خليلاً اتخذ إبراهيم خليلاً، وقال آخر: ماذا بأعجب من كلام موسى كلمه تكليما، وقال آخر: فعيسى كلمة الله وروحه، وقال آخر: آدم اصطفاه الله، فخرج عليهم فسلم، وقال: قد سمعت كلامكم وعجبكم. إن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى نجي الله وهو كذلك، وعيسى روح الله وكلمته وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر. } .

سيدي ابا القاسم يا رسول الله :

يا خير من جاء الوجود تحية *** من مرسلين إلى الهدى بك جاؤوا

العرش تحتك ســــــــــدة وقوائما *** ومناكب الروح الامين وطــــــــــــــــــــــــــــاء

والرسل دون العرش لم يؤذن لهم *** حاشا لغيرك موعد ولقاء

سيدي يا رسول الله : ونحن نبتهج احتفالاَ بمولدك اسمح لي أن اعقد مقارنة بينك وبين الانبياء من قبلك ، افتخاراً بمقامك ، و تيهاً بسيادتك ، واعتزازاً بالانتماء اليك ، وقد قال ربنا : ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ﴾ [ سورة البقرة : الآية 253] وأرفع من رفعه الله هو سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم ولذلك فما من معجزة أتي بها نبي من الأنبياء أو رسول من الرسل فإنما انفصلت منه ، ويرحم الله الامام البوصيري حين يقول

وكلّ اي أتى الرّسل الكرام بها … فإنّما اتّصلت من نوره بهم

فإنّه شمس فضل هم كواكبها … يظهرن أنوارها للنّاس في الظّلم

ولذلك ما منح الله نبياً منحة إلا منح محمد  المصطفى عليه الصلاة والسلام مثلها وأعظم ، ودعني اضرب لك امثلة :

 إذا أمر الله الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام لحظة ثم انقطع السجود ، فقد أعظى الله محمداً ما هو أعظم وهو أمر لم يشترك فيه الملائكة فقط ، أو في زمن محدد ، وإنما اشترك ربنا في مراسيم تكريمه مع الملائكه ، وبدون زمن حين قال : ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [ سورة الأجزاب : الآية 56 ] ، وهذا اعظم واكرم .

وإذا كان الله قد نجى نوحاً عليه السلام وقومه من الغرق ، فإن الله تعالى أعطى الحبيب محمداً نظير ذلك وأعظم ، وهو أنه رحم أمته فلم يهلكها بعذاب من السماء ، ولم يهلكها كالامم السابقة بالحجارة او الرجفة او الصيحة او الماء أو النار ، ولم يقلب عاليها سافلها ، لانه رحمها اكراماً لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام كما قال تعالى : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [ سورة الأنفال : الآية 33 ] .

وإذا كان إدريس عليه السلام قد رفع الى السماء الرابعة ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [سورة مريم: الآية 56-57] } ، فإن المصطفى عليه الصلاة والسلام أعطي المعراج ورقي الى منزلة لم يرق اليها أحد قبله ولا بعده ، كما قال البوصيري

والرسل دون العرش لم يؤذن لهم    حاشا لغيرك موعد ولقاء

وإذا كان سيدنا ابراهيم عليه السلام قد أعطي أن النار كانت عليه بردا وسلاماً ، فإن سيدنا محمد اعطي نظير ذلك واعظم وهو اطفار نار الحرب واستسلام الاعداء له قال تعالى: ﴿ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ  ﴾ [ سورة المائدة : الآية 64 ] إنها نار حطبها السيوف،  ووهجها الحتوف ، وموقدها الحسد ، ومطلبها الروح والجسد .

وإذا كان سيدنا ابراهيم قد حطم الاصنام النمرودية بفأسه القوية وجعلها جذاذاً ،  إلا كبيراً لهم لعلهم يرجعون ، فقد قال ابن عباس: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح على راحلته، فطاف عليها، وحول البيت أصنام مشدودة بالرصاص، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يشير بقضيب في يده الى الأصنام ويقول﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾ [الاسراء:الآية 81] فما أشار الى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقي منها صنم إلا وقع [ السيرة النبوية لابن هشام ] .

وإذا كان العصى انقلبت لموسى عليه السلام حية ﴿ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ﴾ [الاعراف:الآية 107] فإن الجذع الذي كان يخطب عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم انقلب الى عاشق متيم مشتاق له طنين وصوت كصوت العشار الذي فقدت فصيلها ولم يسكن حتى نزل الرسول من منبره وضمه ، روى البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال : كان النبي- صلى الله عليه وسلم- إذا خطب استند إلى جذع نخلة من سواري المسجد ، فلما صنع له المنبر فاستوى عليه ، صاحت النخلة التي كان يخطب عليها حتى كادت أن تنشق ، فنزل النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى أخذها فضمها إليه ، فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت حتى استقرت .

وإنا انفلقت البحر لموسى عليه السلام ﴿ فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ﴾ [الشعراء :الآية 63] ، فإن نبينا قد شق له القمر الى نصفين  ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ ﴾ [القمر :الآية 1] وقد رآها كثير من الناس من البلدان .

وإذا انبع الله لموسى الماء من الحجر نصفين  ﴿ وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة :الآية 60] ، فقد أعطى الله محمد ما هو اعظم روى البخاري ومسلم جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال عطش الناس يوم الحديبية والنبي صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة فتوضأ فجهش الناس نحوه فقال ما لكم قالوا ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك فوضع يده في الركوة فجعل الماء يثور بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا قلت كم كنتم قال لو كنا مائة ألف لكفانا كنا خمس عشرة مائة  .

وهذا ابلغ من نبع الماء من الحجر ، لأن الحجر من جنس الارض ، وكم من العيون تنفجر من الحجر ﴿ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء ﴾ [البقرة :الآية 74] أما أن ينبع الماء من بين اللحم والدم والعظم والعصب فهذا لا نظير له إلا في معجزة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم .

واذا كان موسى طلب من ربه فقال : ﴿  قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي *وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴾ [طه :الآيات 25-28]  فشرح الله صدره ويسر امره ، فان المصطفى عليه الصلاة والسلام لم يطلب ذلك ، إنما الله اكرمه ابتداء فقال له ممتنا عليه ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ  ﴾ [الشرح  :الآيات 1-4] .

واذا كان موسى طلب رضا الله فقال : ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ﴾ [سورة طه  :الآيات 48] ، فإن الله قال للحبيب محمد ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [ سورة طه : الاية 130 ] .

وإذا قال موسى   ﴿  وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي ﴾ [ سورة الاعراف : الاية 143 ] } ، أما سيدنا محمد فقد دعاه الله لرؤياه وللكلام معه فرأى ربه بعيني قلبه على الراجح ، وبعيني رأسه على المرجوح  .

وقال لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ ﴾ [سورة الطور  :الآية 48]بينما قال لسيدنا موسى عليه السلام  ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي ﴾ [سورة طه  :الآية 39]

ايها الإخوة : إذا كان سيدنا سليمان عليه السلام قد أعطي منطق الطير ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [سورة النمل  :الآية 16] فإن سيدنا محمد كلمه الحجر والمدر والشجر والدواب والطير  فقد روى مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن } ، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فخرجنا معه في بعض نواحيها، فمررنا بين الجبال والشجر، فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، وأنا أسمعه. [ رواه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، وأقره الذهبي والدارمي وأبو نعيم والبيهقي] .

وقد روى الطبراني في المعجم الكبير عن أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ : ” يَا أَبَا الْفَضْلِ ، لا تَرِمْ مَنْزِلَكَ أَنْتَ وَبَنُوكَ غَدًا حَتَّى آتِيَكُمْ ” ، فَانْتَظَرُوهُ حَتَّى جَاءَ بَعْدَمَا أَضْحَى ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ : ” السَّلامُ عَلَيْكُمْ ” ، قَالَ : وَعَلَيْكَ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، قَالَ : ” كَيْفَ أَصْبَحْتُمْ ؟ ” ، قَالَ : بِخَيْرٍ ، أَحْمَدُ اللَّهَ ، فَقَالَ : ” تَقَارَبُوا تَقَارَبُوا تَقَارَبُوا ، يَزْحَفُ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ” ، حَتَّى إِذَا أَمْكَنُوهُ اشْتَمَلَ عَلَيْهِمْ بِمُلاءَتِهِ ، ثُمَّ قَالَ : ” يَا رَبُّ ، هَذَا عَمِّي وَصِنْوُ أَبِي ، وَهَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي ، فَاسْتُرْهُمْ مِنَ النَّارِ كَسَتْرِي إِيَّاهُمْ بِمُلاءَتِي هَذِهِ ” ، قَالَ : فَأَمَّنَتْ أُسْكُفَّةُ الْبَابِ وَحَوَائِطُ الْبَيْتِ ، فَقَالَتْ : آمِينَ آمِينَ آمِينَ .

وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خلفه، فدخل يوماً حائطاً من حيطان الأنصار، فإذا جمل قد أتاه فجرجر (أي ردد صوته في حنجرته)، وذرفت عيناه، قال بهر وعفان: فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حنَّ وذرفت عيناه، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم سَرَاتَه (وهي الظهر وقيل السنام)، وذِفْرَاه (العظم الشاخص خلف الأذن) فسكن ، فقال: ((من صاحب هذا الجمل؟)) فجاء فتى من الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله، فقال: ((أما تتقي الله في هذه البهيمة التي ملككها الله، إنه شكا إلي أنك تجيعه وتُدْئِبه)) [ رواه أبو داود ، وقال الألباني: “صحيح”  ]

ومن ذلك شكوى الحمامة فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: “كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، ومررنا بشجرة فيها فرخا حُمَّرة (طائر صغير كالعصفور)، فأخذناهما، قال: فجاءت الحمرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تصيح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من فجع هذه بفرخيها؟)) قال: فقلنا: نحن، قال: ((فردوهما))[ رواه أبو داود ، وقال الألباني: “صحيح”  ] .

إذاً فإذا كلم الطير سليمان عليه السلام فإن المصطفى صلى الله عليه وسلم كلمه الطير وكلمته الدواب وكلمته الحوائط والجدران والاحجار .

ويظهر هذا الفضل الكبير الذي منح للحبيب المصطفى في الشفاعة العظمى ، فقد روى البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة أنه  قال: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة)) ثم قال: ((هل تدرون مم ذاك؟!! يجمع اللـه الأولين والأخرين فى صعيد واحد فيبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعى وتدنو منهم الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب مالا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس ألا ترون ما أنتم فيه، إلى ما بلغكم؟!! ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم. فيأتونه فيقولون ياآدم أنت أبو البشر خلقك اللـه بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا؟ فيقول: إن ربى غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله،  ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهانى عن الشجرة فعصيت، نفسى، نفسى، نفسى… اذهبوا إلى غيرى. اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحاً، فيقولون: يانوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض،  وقد سماك اللـه عبداً شكوراً، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما بلغنا؟ ألا تشفع لنا عند ربك؟ فيقول: إن ربى غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله،  وإنه قد كان لى دعوة دعوت بها على قومى، نفسى، نفسى، نفسى، اذهبوا إلى غيرى،  اذهبوا إلى إبراهيم… فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبى اللـه، وخليله فى أهل الأرض،  اشفع لنا إلى ربك أما ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: إن ربى قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنى كنت كذبت ثلاث كذبات، فذكرها، نفسى،  نفسى، نفسى، اذهبوا إلى غيرى، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى. فيقولون: أنت رسول اللـه، فضلك برسالاته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، أما ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربى قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنى قد قتلت نفساً لم أُومر بقتلها، نفسى، نفسى، نفسى اذهبوا إلى غيرى، اذهبوا إلى عيسى،  فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى، أنت رسول اللـه وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه،  وكلَّمت الناس فى المهد، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إن ربى قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنباً، نفسى،  نفسى، نفسى. اذهبوا إلى غيرى، اذهبوا إلى محمد، فيأتون محمداً  وفى رواية: فيأتونى – فيقولون: يامحمد أنت رسول اللـه  وخاتم الأنبياء قد غفر اللـه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فانطلق، فآتى تحت العرش، فأقع ساجداً لربى، ثم يفتح اللـه علىّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلى، ثم يقال: يامحمد، ارفع رأسك، وسل تعط، واشفــع تُشفّــع فأرفع رأسى، فأقول: ياربى أمتي)).

أيها الإخوة : هذا ما استطعنا أن نفعله ، إنها مقارنة بسيطة بين منن الله لنبيه محمد وأنبيائه الآخرين ، ذكرناها افتخاراً بمقامه وتيهاً بسيادته على العالمين ، واعتزازاً برفيع مقامه ، وبالانتماء اليه ، وإلا فالحقيقة أكبر من ذلك وأعظم من ذلك ، وأرفع من ذلك ، فهو عليه الصلاة والسلام لا يعرف مقداره إلا الذي خلقه وبرأه ، وأنزل عليه عصمته ورسالته ، نسأل الله أن يعرفنا بمقام نبيه ، وأن يزرع في قلوبنا عظمته ومحبته إنه على ما يشاء قدير