يا سيدي يا رسول الله – شيخ الشهداء الدكتور معشوق الخزنوي

الدكتور معشوق الخزنوي

خطبة جمعة في جامع أبي ذر الغفاري – إدلب – 1990

الحمد لله الذي اصطفى محمداً من ولد آدم ، فأرسله بشيراً ونذيراً ، وجعل الاسلام دينه الذي ارتضاه خاتمة الشرائع الى يوم الدين ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وصلى الله على سيد الكائنات محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان الى يوم الدين ، وبعد :

لازلنا نعيش في قمة فرحتنا وذروة ابتهاجنا بأعظم  ذكرى نعتز بها ، واهم عيد نسعد بروحانيته ذكرى ميلاد سيدنا ونبينا محمد عليه افضل الصلاة وأتم التسليم ، وعيد اشراقه على هذه الارض بشرى للناس ورحمة ، وإذا كنتم تطلعون الي لتسمعوا مني تحدثاً ووصفا ومدحاً لهذا النبي الكريم فلتعلموا أن اللسان يعجز عن وصفه،  وأن الفكر يعجز عن إدراكه ، فماذا يستطيع اللسان أن يقول في ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم  وهو سيد البشر في كل جيلو في كل عصر ، وهل يمكن للقطرة أن تصف البحر ، وهل للهباءة أن ترسم الشمس ، وهل لذرة الرمل ان تصور الجبل ، اللهم لا ، فكذلك لا يمكن لعبد من صغار عبيدالله ، وخادم من حاشية خدمه عليه الصلاة والسلام  أن يصف سيد الهدى وصاحب الندى والعظيم طول المدى ، ناصح الامة،  وكاشف الغمة،  وماحي الظلمة،  حبيب الله، وخليفة الله، وخاتم رسل الله ، سيد الكونين، وهادي الثقلين، من نفديه بالعيينين ولا نبدله بالابوين ، سيدنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم  .

سيدي يا رسول الله إن قصارى ما يبلغه اللسان أن يشير في هيبة وإجلال الى مقامك الأسمى ومحلك الاسنى ومكانك الرفيع ، فقد جاء مولدك الاغر بشيراً بميلاد الحق الذي توارى مناره ، وباستهلال الخير الذي طال انتظاره ، وباسترداد القيم العالية والمثل السامية مكانتها بعد هوان وذل ، إذ بعثك الله على فترة من الرسل ضل فيها الناس رشادهم ، وجحدوا قلوبهم وعقولهم ، وصاروا أصناماً تعبد اصناماً ، وأحجاراً تقدس احجاراً ، وملأ الأرض خرافات وأباطيل وأوهاماً ، وانتهز الأقوياء فرص الجهالة والضلال فاستعلوا على الشعوب واستبدوا بالعقول والقلوب ، وسخروا لشهواتهم ومنافعهم خيرات الارض وقوى البشر ، فإذا أكثر الناس عبيد للقلة ، وإذا القلة طبقات يسخر بعضها بعضاً ، وهؤلاء وأولئك غرقى في الضلالة ، وأسرى للشهوات ، وأعداء لكل فضيلة حتى ضجت الارض مما تنوء به من شر وبغي وهمجية وعدوان .

حينئذ لطف الله بعباده فاصطفاك يا صفوة خلق الله لتبلغهم آخر كتبه وتهديهم بأخر شرائعه فكنت كالغيث تقاطر على نبات ذوى فرد اليه الحياة ، وكنت الضوء بصر الضالين والحيارى طريق النجاة ، فردت للبشرية انسانيتها وكرامتها وطهرت مشاعرها من أرجاسها ، وأطلقت عقولها من أغلالها ، وحررتهم من قيود الاسترقاق وحطمت أصفاد الاستعباد ، وعلمتهم أن الشرف لا يرجع الى لون أو جنس أو حسب أو مال بل هو بالتقوى ومكارم الأخلاق ، وبما يترتب على التقوى من طاعة لله ودفاع عن الحق وحماية للوطن  ، وطريقاً يهدي الى الجنة ، وعلم نافع يرتقي بالأمة ، وخيرات تبذل لنفع الناس .

سيدي يا رسول الله : إذا كانت الوثنيات أو الفلسفات قد استغلق الصواب عليها ، وأغرقت في المادية أو الرهبانية فإن شريعتك الغراء هي التي لائمت بين المادة والروح احسن ملائمة ، وربطت بأحكم رباط بين الدنيا والآخرة ، فجعلت لكل منهما نصيبا من الوجدان والعقل والعمل لا يتجاوز نطاقه  ولا يطغى،  فلم يكن عجباً أن صار المسلمون الاولون بين عشية وضحاها سادة العالم ، وخير أمة أخرجت للناس .

سيدي يا رسول الله : إن مئات الملايين من أتباعك يديرون في هذه الأيام شريط الزمن ليشهدوا مناظر رائعة من سيرتك المفعمة بالعبقرية بشكل لا يستطيع أن يدانيها تاريخ أحد من البشر ، ويتأملون قول الله عز وجل { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ }(1)  فيستشعرون عظمتك ، وتزداد دقات قلوبهم محبة لك ، وترطب ألستنهم بذكرك والثناء عليك قائلة ومرددة وإنك لعلى خلق عظيم .

نعم إنك على خلق عظيم وكل عظيم جانبك حقير ، وأنت سيد وكل سيد وأمير بجانيك صغير ، وأنت نور وكل نور بجانب هديك ومبادئك ظلام ، أنت عظيم في كل ناحية من نواحي أخلاقك ، في كل مجال من مجالات حياتك ، تجلت عظمتك في أمانتك ، تجلت عظمتك في صدق لهجتك وحلاوة منطقك ، تجلت عظمتك في صبرك وثباتك على الحق ، تجلت عظمتك في جهادك الشاق الطويل في الدعوة الى الله ، تجلت عظمتك في تواضعك ، في حلمك ، في عفوك ، تجلت عظمتك في سياستك وحكمتك وعدالتك ، تجلت عظمتك في زهدك وإعراضك عن الجاه والثراء وزينة الحياة ، تجلت عظمتك في امانتك حيث لقبك قومك وأنت لم تزل شاباً بالأمين ، تجلت عظمتك في التزامك بالصدق حتى قال فيك أعدائك { ما جربنا عليك كذبا }(2)  وقالوا فيما بينهم { ما كان محمد ليدع الكذب علينا ويكذب على الله }(3) .

تجلت عظمتك في أنك احتملت من قومك ما لا يحتمله بشر ، وصبرت على إيذائهم لك ولأصحابك ، ولم تنتقم لنفسك إلا أن تنتهك حرمات الله ، فتنتقم لله ولدينه حينئذ ، ولما فعل بك المشركون في أحد ما فعلوا وشجوا وجهك المبارك وكسروا رباعيتك الشريفة قال أصحابك لو دعوت عليهم يا رسول الله فقلت { إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً }(4) ثم قلت وأنت تمسح الدم المبارك عن وجهك { اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ }(5) .

وحين دخلت مكة فاتحاً منتصراً وقف مشركوا مكة وصناديدها عبيداً آذلاء بين يديك فقلت لهم: { ما تظنون اني فاعل بكم فقالوا اخ كريم وابن اخ كريم فقلت اذهبوا فانتم الطلقاء } (6) .

وتواضعك يا رسول الله كان سراً من أسرار عظمتك ، وخلقاً حببك الله به الى الناس ، وأحلك في السويداء من قلوبهم فحين جاءك رجل وتشرف برؤيتك وتمعن في طلعتك أصابته رعدة من هيبتك يا رسول الله فقلت {هون عليك يا رجل فلست بملك إنما انا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة} (7) .

تقول يا سيدي بكل صراحة وتواضع أنني لست ملكاً متجبراً ولا قيصراً متألهاً بل إنما أنا كسائر الناس ولدتني امرأة فقيرة كانت تأكل القديد طعام الفقراء .

سيدي يا رسول الله: ها أنت ذا في حياتك الأسوة والقدوة والمثل الأعلى في قولك وعملك وفي بيتك وبين قومك وفي سلمك وحربك فكنت كما قال علي ابن عمك وهو يصفك{ كَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ كَفًّا ، وَأَجْرأَ النَّاسِ صَدْرًا ، وَأَصْدَقَ النَّاسِ لَهْجَةً ، وَأَوْفَاهُمْ بِذِمَّةٍ ، وَأَلْيَنَهُمْ عَرِيكَةً ، وَأَكْرَمَهُمْ عِشْرَةً ، مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ ، وَمَنْ خَالَطَهُ فَعَرَفَهُ أَحَبَّهُ ، لَمْ أَرْ قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  }(8) .

وانت الذي يقول علي فيك { إنا كنا اذا اشتد اليأس وحمي الوطيس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله فما يكون احد اقرب الى العدو} (9) .

صلى الله عليك يا رسول الله فأنت والله القدوة الحسنى والمثل الاعلى والزعيم الاكبر وكل زعيم بعدك صغير وأنتم يا صحابة رسول الله والله المثل الكامل لكل مصلح وزعيم وأمير .

ايها الاخوة : هذا هو صاحب الذكرى سيدنا رسول الله وهذه بعض شيمه ، وبمثل هذه الخصال قام الدين ، وبمثل هذه الاخلاق ثبت السلف وأتتهم الدنيا صاغرة ، بمثل هذه الاخلاق أقبل الناس الى الدخول في دين الله افواجاً وأسرعوا الى مبادئه إسراعاً ،

كنا للدين فكان الدين لنا ، وكنا للأخلاق حصناً فكانت الاخلاق لنا جندا وعزا ، وكنا للقران مبجلين ومتبعين فكان لنا القرآن النصر المبين ، فلما أن تركنا الدين والقرآن جانباً وهدمنا من الاخلاق قائماً ولت عنا الدنيا هاربة وأصبحنا في بلادنا أذلاء وفي ديارنا غرباء .

________________________________________

(1) سورة القلم الآية 4

(2) مسلم (307)

(3) البخاري 2941 ومسلم 1773

(4) مسلم 2599

(5) البخاري3477 و 6929 ، ومسلم 1792

(6) البيهقي بسند صحيح في السنن الكبرى والنسائي في السنن الكبرى و ابن إسحاق في ( السيرة ) و الطبري في ( تاريخه ) وخلاصته عند الشيخ الالباني أن أصل الحديث صحيح غير أن قوله [ اذهبوا فانتم الطلقاء ] هذه الزيادة ضعيفة

(7) الدارقطني والحاكم والبيهقي وصححه الالباني في  “الصحيحة” (1876)، وصحيح الجامع الصغير” (7052) وغيرهما.

(8) الترمذي باختلاف يسير 3638 ، وابن أبي شيبة في المصنف ، والبيهقي في شعب الايمان وضعفه الالباني في ضعيف سنن الترمذي

(9) احمد والطبراني والنسائي

 

شاهد أيضاً

عليكو معاتبا وهو عتاب محق

الدكتور مرشد معشوق الخزنوي 17.06.2021 يكتب الأستاذ فؤاد عليكو خلال هذه الأيام سلسلة من المقالات …

المرصد السوري : في الذكرى الـ 16 لاغتيال الشيخ محمد معشوق الخزنوي.. نجله الشيخ مرشد للمرصد السوري: المجرم ماهر الأسد شقيق الطاغية بشار هو من أمر وأشرف على اعتقال واستشهاد الوالد

يطلق عليه “أيقونة الانتفاضة الكردية”، تلك الانتفاضة التي كلفت الأكراد في الحسكة عشرات الضحايا والجرحى …