صور من يوم عرفة – خطبة جمعة لشيخ الشهداء الدكتور معشوق الخزنوي

 

في جامع قناة السويس  – قامشلو  – 2002imgid1203

تفريغ : عبد الرحمن احمد – مراجعة مركز احياء السنة ( مكتب الشهيد الخزنوي )

 

 

السادة الكرام : انتم اليوم على ابواب عيد كريم ، هو عيد الأضحى المبارك ، العيد الذي يجتمع فيه المسلمون على صعيد واحد في أشرف بقاع الارض وأقدسها ، يهللون ويكبرون ، ويرفعون أصواتهم بالتلبية والدعاء ، وتمتلئ قلوبهم بالأمن والايمان والرجاء ، ففي مكة مشرق الرسالة المحمدية ومهبط الوحي الإلهي يتلاقى عباد الله المؤمنون على طاعة الله وتمجيده واحترام بيته وتقديسه واقامة شعائره وتلبية دعوته .

 

والى مكة تهوي الأفئدة، وتشد الرحال في كل عام ، وفي مكة حيث بيت الله العتيق يتقاطر المؤمنون من كل حدب وصوب وفج عميق ، ويلوذون بالبيت المعظم كما يلوذ الرضيع بأمه الرؤوم ، وفي مثل هذه الأيام من كل عام تستقبل مكة وفود الله وضيوف الرحمن ، وتفتح ذراعيها لتضم بين جوانحها نزلاء الحرم وزوار البيت العتيق ، وفي ساحات بيت الله تنصب موائد الله الكريم الوهاب التي أعدها للحجاج الوافدين من عباده المؤمنين، فينهلون من معين الكرم ، ويشربون من رحيق زمزم ، ويستظلون بسحب المغفرة والرحمة والرضوان ، وفي هذا اليوم يوم عرفات تاسع ذي الحجة وأفضل أيام هذا الموسم يبلغ الزحام أوجه ، والحركة أقصاها ، حيث يُرى الحجاج المؤمنون وهم يسارعون الى عرفات منتشرين في سهله الممتد عبر الافق ، متحللين من مظاهر الدنيا، متجردين من كل انواع الزينة ومتع الحياة ، مقبلين على الله الرحمن الرحيم بقلوب منكسرة، واصوات مرتفعة بالتلبية والدعاء ، وضمائر نقية مفعمة بصادق الأمل وخالص الرجاء ، كأنهم يتوافدون الى الحشر والحساب ، فهذا اليوم هو أشبه يوم في الدنيا بيوم الحساب بحرارته وزحامه وانشغال الناس بعضها عن بعض ، وارتفاع اصوات المذنبين بالبكاء والاستغاثة ، إنهم حفاة عراة جاؤوا راجين ضارعين خائفين كما سيأتون يوم القيامة حفاة عراة غرلاً للحساب والمناقشة والمحاكمة وتحديد المصير ، إنه صورة عن اليوم الذي تزلزل فيه الأرض وتنسف فيه الجبال وتتلاحم فيه امواج الناس حينا وتفترق حيناً آخر ، فتذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم سكارى ولكن عذاب الله شديد ، إنه أشبه ما يكون واقرب ما يكون الى اليوم الذي تحدث الله عن اهواله بقوله (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ(1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ(2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ(3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ(4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ(5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ(6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ(7) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ(8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ(9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ(10) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ(11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ(12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ(13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ )[ سورة التكوير ]  هذا جانب من عرفات ، بل هذه صورة عرفات من زاوية .

 

ومن زاوية أخرى ترى هناك الوحدة والتلاحم وجمع الشمل والتعاون المنقطع النظير ، إن عرفات اليوم تجمع بين المتناقضات ، فكما جمعت بين الاحمر والاصفر والابيض والاسود والعربي والعجمي ، كذلك جمعت بين الحزن والفرح، جمعت بين الدمعة والبسمة ، وبين الاستغاثة والشكر ، بين الحوقلة والحمدلة ، ففي عرفات ينتظم عقد الحجاج ، ويجتمع شملهم على اختلاف السنتهم والوانهم وبعد ديارهم متجردين من الدنيا وزينتها كأنهم ملائكة أطهار ، فيتجلى الله عليهم ويسمع دعائهم ويجيب سؤالهم ويحقق آمالهم ويغسل ذنوبهم ويباهي بهم ملائكته ، فقد أورد ابن عبد البر في “تمهيده” من رواية أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :{ وأما وقوفك عشية عرفة، فإن الله يهبط إلى سماء الدنيا، ثم يباهي بكم الملائكة، فيقول: هؤلاء عبادي جاءوني شعثاً سُفْعاً، يرجون رحمتي ومغفرتي؛ فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل، وكعدد القطر، وكزبد البحر، لغفرتها، أفيضوا عبادي مغفوراً لكم، ولمن شفعتم له}وقرب منه اخرجه عبدالرزاق في مصنفه عن ابن عمر ، فيالها من فرحة عظيمة يفرح بها المؤمنون بعفو الله ورحمته ويسعدون بتجلي الاله عليهم ، وتكفير السيئات عنهم، واستجابة دعواتهم في يوم الحج ويوم العيد ويوم الفرحة العظمى .

 

أيها الاخوة : إن كنتم قد فاتكم شرف المثول بين يدي الله في بيته الحرام ، وإن كنتم قد حرمتم ثواب العيد الاكبر والحج الاكبر في عرفات ومزدلفة ومنى هذا العام ، فلم تحرموا كل شيء، لأنكم مع الحجيج بقلوبكم ومشاعركم ، وتطوف بالكعبة وجدانكم ، ووقف على عرفات ارواحكم ، فلسان حال كل واحد منكم يقول الآن ياليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً وأنال خيراً كثيراً ، ليتني معهم لأطوف في رحاب الكعبة أمتع بصري بمرأى بيت الله وقد ازدحم عليه المؤمنون يود كل واحد منهم أن لو التصق به قليلاً ليحوز الشرف الاكبر ، ياليتني هناك لأقف أمام الكعبة خاشعاً خاضعاً لله انتقل بين الركن والمقام وأمثل بين يدي الحجر الاسعد أقبله كما قبله رسول الله صلى الله عليه وسلم واسكب الدموع عليه وأمرغ الوجه فيه واسجل في سجل زياراته مشهداً إياه أني من المؤمنين بالله ورسوله لبيت دعوته طائعاً مختاراً طامعاً في ثوابه، مشفقاُ من عقابه، راجياً عتق رقبتي من النار ، ليتني معهم في منى أرجم مع المسلمين مستنقع الخيانة والعن الطواغيت واجسد ذكرى أب الانبياء ابراهيم عليه السلام ، فإن كان حقاً ما نتمناه وإن كنا صادقين فيما نرجوه فتعالوا معي جميعاً لننتقل الى هناك بأرواحنا ومشاعرنا وقلوبنا وعواطفنا ، تعالوا نوقف ارواحنا أسفل الجبل لنقضي اجمل يوم واسعده على جبل الرحمة وصعيد الغفران، لنتلقى من الله مدد الايمان واليقين، ونغسل عن قلوبنا ما علق بها من أدران الإثم والعصيان ، تعالوا لنقف ولو للحظات على صعيد عرفات بمشاعرنا ، تعالوا نقف في ظل ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فها أنا أرى بمخيلتي بين جموع الحجيج سيد الخلق وحبيب الحق يقف في عرفات على ناقته وسط جموع الحجيج في عام حجة الوداع وهو يستعد لإلقاء خطبته المشهورة والبيان النبوي الجامع الذي بين فيه قواعد الدين وآداب الاسلام ، ودعى الى التمسك بالقرآن ونبذ الجاهلية ومأثرها ، فهيا بنا نستمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يلقي خطبته المبسوطة في صحاح كتب الحديث ، تلك الخطبة التي  عرفت بخطبة الوداع ، فقد اخرج البخاري رضي الله عنه أن عمر رضي الله عنه لما سمع خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى، فقيل : ما يبكيك يا عمر ؟ قال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان، و في رواية قال إنما هذه نعي لرسول الله .

نستمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول :

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعته وأستفتح بالذي هو خير. أما بعد أيها الناس اسمعوا مني أبين لكم فإني لا أدري لعلى لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا.

 

أيها الناس إن دماءكم وأعراضكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا – ألا هل بلغت اللهم فاشهد، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها.

 

وإن ربا الجاهلية موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وقضى الله أنه لا ربا. وإن أول ربا أبدأ به عمي العباس بن عبد المطلب.

 

وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم نبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية والعمد قود وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية – ألا هل بلغت اللهم فاشهد.

 

أما بعد أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحرقون من أعمالكم فاحذروه على دينكم، أيها الناس إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليوطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله. وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق الله السماوات والأرض، منها أربعة حرم ثلاثة متواليات وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان – ألا هل بلغت اللهم فاشهد.

 

أما بعد أيها الناس إن لنسائكم عليكم حقاً ولكم عليهن حق. لكم أن لا يواطئن فرشهم غيركم، ولا يدخلن أحداً تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم ولا يأتين بفاحشة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئاً، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيراً – ألا هل بلغت اللهم فاشهد.

 

أيها الناس إنما المؤمنون إخوة ولا يحل لامرئ مال لأخيه إلا عن طيب نفس منه – ألا هل بلغت اللهم فاشهد.

 

فلا ترجعن بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده:  كتاب الله وسنة نبيه – ألا هل بلغت اللهم فاشهد.

 

أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب . أكرمكم عند الله اتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى – ألا هل بلغت اللهم فاشهد        قالوا نعم –  قال فليبلغ الشاهد الغائب.

 

أيها الناس إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث ولا يجوز لوارث وصية، ولا يجوز وصية في أكثر من ثلث .

 

والولد للفراش وللعاهر الحجر.

 

من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين    لا يقبل منه صرف ولا عدل.  والسلام عليكم. )

 

ولما فرغ من خطبته نزل عليه قوله تعالى: ( ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأسْلاَمَ دِيناً )  [المائدة:3].

أقول قولي هذا واستغفر الله