حوار هام و شامل ومعمق في فكر شيخ الشهداء [ مقابلة خاصة أجرتها مكتبة جارجرا للثقافة الكوردية مع فضيلة الشيخ الدكتور محمد معشوق الخزنوي ]

مقابلة خاصة أجرتها مكتبة جارجرا للثقافة الكوردية مع فضيلة الشيخ الدكتور محمد معشوق الخزنوي

 

جارجرا : المرأة كطاقة بشرية ضرورية لتغيير المجتمع فكيف برأيكم تستطيع المرأة الكوردية المشاركة في تحقيق مطالب شعبها مع الالتزام بالضوابط الأخلاقية والدينية؟

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :

بداية من ناحية المفهوم الديني ليس هناك يوم معين لتكريم المراة وإنما الحياة كلها تكريم للمرأة قال النبي عليه الصلاة والسلام { الجنة تحت أقدام الأمهات }  ولكن إذا حرص المجتمع الدولي والعالمي أن يكون للمرأة يوم معين يتذكر حقها ، ويبحث عن وضعها فلا بأس أن نقف نحن أيضا مع العالم في مثل هذا اليوم، فبهذه المناسبة أنا أقف مع جميع الأخوات سواء كن أمهات لنا أو بنات أو خوات وبالأخص المرأة الكوردية التي يراهن عليها شعبنا في تقدمه ووقفته بين الأمم ، وأتقدم إليها بأطيب التهاني بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، المرأة هي جزء أساسي من الحياة ، وبتصوري المرأة الكوردية ليست مستنكفة أو متقاعسة عن واجبها في نهضة الأمة ، ولعل الشعب الكوردي يتميز عن باقي الشعوب الإسلامية بأن هذه الحواجز التي بنيت بين الرجل والمرأة في كثير من مجالات الحياة هي معدومة في حياة المجتمع الكوردي ، نظرا لأن المجتمع الكوردي كان في سابق عهده زراعياً أو رعوياً ، وكان المجتمع بحاجة إلى طاقات المرأة بنفس القوة ، وبصورة موازية لطاقات الرجل ، ولذلك كانت المرأة تعمل مع الرجل ، وربما بطاقات أكثر ، وتساهم في بناء اقتصاد الأسرة ، وتقدم حياتها من الناحية الزراعية أو الرعوية ، إذ كانت راعية للغنم مع الرجل ، وكانت فلاحة في الأرض ، ولا أتصور أن عندنا في سابق عهدنا ، يوم أن كنا شعباً أمياً وبالغالب قبل 50 سنة لم تكن لدينا مشكلة تتعلق بالمرأة ، لكن في النصف الأخير من القرن العشرين ، يوم دخلت الحضارة في حياة الناس ، وبنيت المدن ، وامتد نفوذ الثورة الصناعية والتجارية إلى مناطق كوردستان  ،حصل هناك شيء من تغييب للمرأة ، أو تهميش دورها في المجال الاقتصادي ، أو المجال السياسي ، أو المجال التربوي ، نظراً لأن المرأة بقيت أمية ، في حين أتيحت بعض الفرص للرجل ليتعلم ، و ينال بعض المواقع حسب إمكانياته الخاصة في مجالات السياسية أو التجارية أو غير ذلك ، وبتصوري والتاريخ يشهد أن المرأة الكوردية كانت في سابق عهدها خاضت معارك ، ولها جهود في مراحل معينة في الثقافة والأدب ، وربما بطاقات توازي طاقات الرجل ، ولكن لا يجوز أن نتغافل عن الحقيقة وهي أن الاثنين كانا يتحركان بطاقات تحت الممكن ، نظراً لظروف المجتمع ، وأتصور أن المرأة الكوردية لن تستطيع أن تساهم في نهضة الأمة إلا إذا تعلمت ، وبداية يجب علينا محو أميتها ، والسماح لها أن تنخرط في مجالات التعلم ، وأعني بذلك كل مجالات التعلم التي نشعر أن مجتمعنا بحاجة إليها ، مع مراعاتنا لفيزيولوجية المرأة وإمكانياتها الجسدية التي قد تتناسب مع نواحي معينة من العلم دون غيرها ، وعلى كل حال نحن اليوم بحاجة إلى استنفار طاقات المرأة بشكل كامل على الأقل لتستطيع قراءة رسالتها في التربية وتعليم الجيل الجديد ، لأنه لا يمكن أن نصنع شعباً متعلماً حراً إذا لم يكن يرعى هذا الشعب أمهات متعلمات مربيات يستطعن أن يزرعن رسالة شعوبهن في قلوب أبنائهن .

 

جارجرا : درج رجال الدين على توجيه الشباب نحو الثقافة الدينية الخاصة التي تؤدي في المجتمع الكوردي وحده إلى إغفال الثقافة القومية فما هو التوجيه الصحيح برأيكم لكي لا تصبح الثقافة الدينية سبباً في جهل الشباب الكورد لثقافتهم القومية ؟

أعود فأقول إن هذه المشكلة التي تتحدث عنها هي مشكلة جديدة ، وقبل الخمسينات من القرن الماضي لم تكن هذه المشكلة موجودة ، لأن الشباب الكورد كانوا يتعلمون العلوم الدينية في المدارس الكوردية التي كان يشرف عليها علماء كورد ، ومشيخات كوردية ، فقد كانت هناك مدارس منتشرة في كل بقاع كوردستان ، وكانوا يتعلمون الثقافة الدينية إلى جانب الثقافة القومية ، لأنه كان يتعلم القرآن والحديث والفقه بلغته الأم ، بل كان الشيخ يترجم النصوص المقدسة إلى اللغة الكوردية للطلاب حتى في المراحل المتأخرة ، بل حتى يجاز ويكون أستاذاً ، لذلك كان هذا الشعور يقظاً أو متقداً ، و كان الشاب الكوردي أو طالب العلم الكوردي أو المتلقي للثقافة الدينية لا يجد أي فارق أو تناقض أو تعارض بين ثقافته الدينية و بين ثقافته القومية ، ولكن بعد عصر قيام الدول الحديثة ، وبالضبط بعد اتفاقية سايكس بيكو وذوبان المدارس العلمية الدينية التي كان الكورد يتلقون العلوم الشرعية فيها بلغتهم ، و عرب التعليم في سوريا و العراق ، وترك في تركيا ،وفرس في إيران ، أصبح الشاب الكوردي أمام خيارين إما أن يبتعد عن الثقافة الدينية وهذا ما حصل بالنسبة لكثيرين ، وهذا لا يمكن أن نتحدث عن مشكلة له مع قوميته الكوردية ، أو ننسب هذه المشكلة إلى البعد الديني لأنه أصلا لم يدخل هذا المجال ، أو إنه يضطر ليتمسك بأهداب الدين ولا يستطيع أن يستغني عنه ، وحينئذ يتلقى معلوماته الدينية من المدارس التي تعلمه بالعربية أو التركية أو الفارسية ، و كثيراً ما إن لم نقل في جميع الحالات كانت المدارس السابقة ترسخ ثقافة العرب أو الترك أو الفرس ، وتبعد الشاب الكوردي المتعلم للثقافة الدينية عن روحه الكوردية ، وعاداته وتقاليده وثقافته الكوردية ، وبالتالي كان يحصل شيء من الفراغ بينه وبين ثقافته الكوردية بسبب انتمائه الديني ، وإنني أتصور أن هذه المشكلة ربما كانت عصية على الحل حالياً ، ولذلك نحن بحاجة إلى بذل كل الجهود للحصول على الممكن ، وإذا لم يحصل هناك تغير جذري في سياسات هذه الدول وبالتالي إذا لم يعطوا الحق لهذا الشعب كي يتعلم بلغته التي خلقه الله عليها كغيره من الشعوب ، أتصور أن المشكلة لا تحل لكن مع أن المشكلة لا تحل إلا بعد تغيير هذه السياسات إلا أن هذا لا يعفينا كأكراد أن نقوم ببعض البوادر هنا وهناك أداء للواجب وتبرئة للذمة ، وهذا ما أقوم به في رسالتي الدينية سواء في المسجد أو من خلال الصحافة أو على التلفاز ، أحاول أن أفهم الشاب الكوردي المسلم أن الذين أفهموك أن ثمة تناقضاً بين ثقافتك الدينية وبين وعيك القومي وشعورك بآلام قومك ، هم لم ينصحوك ، ولم ينصفوك ، ولم يخلصوا لك ، وإنما أرادوا أن يبعدوك عن احد الجانبين ، إما أرادوا أن يبعدوك عن دينك ، حين أشعروك أن هذا الدين مناقض لقوميتك ، أو أرادوا أن يشغلوك عن قوميتك ، حين أشعروك أن دينك مناقض لقوميتك أيضا وفي الحالتين كان الشاب الكوردي خاسراً لإحدى ميزتيه ، إما دينه إذا تمسك بقوميته ، أو قوميته إذا تمسك بدينه ، ونحن بحاجة أن نوقظ أو نحيي هذا الجانب لنقول إذا كان الدين لا يناقض عروبة العربي ، ولا تركية التركي ، ولا فارسية الفارسي ، فما الذي يجعل أن يكون الدين مناقضاً لكوردية الكوردي .

 

جارجرا : إذا كنتم كرجل دين تركزون على الإسلام كإيديولوجية ضرورية للمجتمعات ، وأنتم تعلمون مدى اختلاط الثقافة الدينية بالثقافة العربية ، فكيف تطرحون الخطاب الديني لقومكم ، محذوفاً منه ما علق به ممن الثقافة العربية ؟

إذا صح أن الثقافة الإسلامية فيها الكثير من المفاهيم العربية ، فالصحيح أيضاً أن هذه الثقافة فيها الكثير من المفاهيم التركية ، و فيها الكثير من المفاهيم الفارسية ، فالإسلام كالماء الذي يجري في الأرض وهو يختلط بكل الذرات في مجرى النهر ، حسب الطبقات التي يمر الماء فيه ، فطبيعي أن يتأثر الإسلام بعادات وتقاليد العرب ، وطبيعي أن يتأثر بعادات الشعوب في العراق التي كانت في العهد العباسي ، ومنها الفرس ، والكورد ، والترك ، وطبيعي أن يتأثر بثقافة الترك الذين حكموا دول المنطقة 400 عام أو يزيد ، وخاصة نحن في المنطقة الكوردية ، كثير منا ينتسب إلى المدارس الصوفية ، وهذه المدارس الصوفية جاءت من خارج الثقافة الكوردية من أذربيجان ، أو من أوزبكستان ، أو من الهند ، فطبيعي أن يكون قد خالطهم شيء من ثقافة الاوزبك ، أو ثقافة الهند ، وقبل 200 سنة تقريبا جاء الشيخ المعروف بمولانا خالد إلى منطقتنا ، ونشر الطريقة النقشبندية ، وهو رجل كوردي من أكراد السليمانية ، وطبيعي أن يترك بصماته الكوردية على هذه الطريقة أيضا ، إن الأديان و الأيديولوجيات دائما تمر عبر فلتر الشعوب ، وكل شعب من هذه الشعوب يترك بصماته على الدين ، كما الدين يترك بصماته فيه ، فهو كالجسم الحار يخالط الجسم البارد يؤثر فيه لكنه أيضا يتأثر به ، إنني أطرح فكرة أن الكورد ربما ، أو بالتأكيد لم يمرروا الإسلام كما ينبغي بفلترهم ، فقد سمحت الظروف للعرب أن يمرروا الإسلام في فلترهم ، ولذلك نرى تأثر الإسلام بثقافة وعادات وتقاليد العرب أكثر من غيرهم ، وبالرغم من أن الأتراك أيضا من خلال تاريخهم الطويل استطاعوا أن يفعلوا شيئا كهذا ، وكذلك الفرس ، إلا أن الكورد ونظراً لأنه لم تكن لهم كيانات سياسية طويلة الأجل يستطيعوا من خلالها أن يحكموا ، وبالتالي أن يضعوا بصماتهم الثقافية ، والفنية ، واللغوية وغير ذلك مما تميز شخصية الشعوب ، لذلك كان تأثير الكورد على هذا الدين قليلاً،  وربما سيكون كذلك ريثما تتهيأ فرصة  ،كما قلنا يكون لهذا الشعب فيها مكان تحت الشمس ، كباقي الشعوب ، وبالتالي بإمكانه أن يتلقى هذا الإسلام تطبيقاً وتحقيقاً يتناسب مع عادات ، وثقافات، وتقاليد هذا الشعب ، أما كيف ينبغي أن نميز أو أن نفرق بين الإسلام وبين ما علق به ، من عادات وثقافة العرب ، فهو باب يطرقه كل المتنورون من الإسلاميين ، ونحن معهم نريد أن نفرق بين النص المقدس ، وبين فهم الرجال ، كما طرحت المسيحية سابقاً ، يوم طالبوا بفصل النص المقدس عن ممارسات الكنيسة ، فممارسات الكنيسة هي ممارسات البطاركة ، وممارسات رجال الدين ، وبصماتهم ، وتأثيراتهم ، واجتهاداتهم ، وآرائهم ، وفتاويهم غالباً ما تكون متأثرة بعاداتهم ، وثقافاتهم ، ونحن إذا استطعنا أن نجرد النص المقدس عن ممارسة الرجال ، ونجعل فاصلاً بين النص المقدس وبين الشروح والهوامش والحواشي التي تأثرت بالمحيط العربي والتركي والفارسي ، بإمكاننا عندئذ أن نأخذ نصاً مقدساً كما أنزله الله ، ونطبقه ونترجمه من خلال ما نفهمه نحن ، عبر فلتر ثقافتنا ، وعاداتنا ،وكما فهمه باقي الشعوب عبر فلتر ثقافتهم ، ودوافعهم .

 

جارجرا : اغلب الشعوب الإسلامية حاربوا الاستعمار وكان رجال الدين من قادتها ومن هؤلاء الشعب الكوردي بأغلب نضالاته فلماذا نرى العكس الآن حيث أن موقف جميع الحركات الإسلامية ومعظم رجال الدين تصب في خانة العداء المباشر وغير المباشر لهذا الشعب؟

جميل أن تقر أن الكورد أيضا كغيرهم ، قادهم علماء ومشايخ يوم تعرضوا للظلم والاضطهاد، قادهم رجال الدين والعلماء والمشايخ في وقت كانوا هم المتعلمين والمتنورين ، وغيرهم كانوا أميين ، و هذه تسجل مكرمة لهم في الحقيقة ، ويجب على أبناء الشعب الكوردي أن لا ينسوا لهم هذا ، ولكن في العصور الحديثة ، ويوم تشكلت الدول الحديثة ، وصفت مشكلة الكورد بأنهم كانوا في الغالب تطغى الروح الدينية لديهم على الروح القومية ، وهذه أنا بتصوري تسجل لهم مكرمة دينية في التاريخ الإسلامي ، لو أن الذين يتعامل معهم هذا الشعب كانوا مسلمين ، ويجسدون الرسالة الإسلامية ، لقد كان هذا الرجل الكوردي يخيره الغربيون كانت بريطانيا يوم بنيت الدول الحديثة  ،كانت على إثر اتفاقية سيفر أو اتفاقية لوزان وحتى اتفاقية سايكس بيكو هذه الاتفاقيات كانت دائما ترسم بأيدي المستعمرين بأيدي بريطانيا وفرنسا وألمانيا و غيرهم ، والكوردي كان دائما يتمسك دائما بأهداب دينية ، ويقول لا يمكن أن اتفق مع غير المسلمين ضد أخوتي المسلمين ، لكنه فاته أنه يقارن مقارنة خاطئة بين أناس من أهل الكتاب مسيحيين أو يهود ، وآخرين هو يراهم مسلمين ، ولكنهم في الحقيقة لا يجسدون هذه الرسالة ، ولو أنهم جسدوا هذه الرسالة لقالوا للكردي ما دمت أنت تحرص على إسلامك ، وعلى البقاء معنا فأنت أخونا ، ولك ما لنا ، وعليك ما علينا ، إن الكوردي سواء المتدين وغير المتدين لو قابله العرب أو الترك أو الفرس بهذه المقولة بعد كل هذه السنين من النضال ، وبعد كل هذه التجارب المريرة التي مرت من الغدر والخيانة والقتل الجماعي للكورد ، لو أن اليوم بادر الترك أو العرب أو الفرس و قالو للكورد دعوا كل شيء وتعيشون انتم في هذه الأوطان مثلنا لكم ما لنا وعليكم ما علينا ، لنا ما لكم من الحقوق ، وعليكم ما علينا من الواجبات ، لرضي الكورد أن يعيشوا من جديد مع هؤلاء ما دامت حقوقهم متوفرة ، لأنه اليوم أصبح الناس يتضامنون والحدود تزال بين الشعوب ، ففي أوروبا العشرات من القوميات ، والعشرات من الديانات ،الآن أزيلت الحدود عن هذه الكيانات ، لكن لكل شعب من هذه الشعوب حقوقها وثقافتها ولغتها وحكمها الذاتي وإدارتها ، كلها مصانة ومستقلة ، ولا يتدخل احد في شؤون الآخرين ، أقول لو أن أخوة الكورد تحركوا بشعور إسلامي مثلما تحرك الكوردي لانتهت المشكلة .

 

أقول : بداية استيقظ الشعور القومي عند الأتراك و مارسوا التتريك ، ورداً على فعلهم تحرك الشعور القومي لدى العرب ، وبدأ العرب يتحركون ، ومن سوء حظ الكورد كان آخر من أحس بالمشكلة ، لذلك العلماء والمشايخ في عصر النهضة القومية في ال50 سنة الماضية لم يستطيعوا أن يتأقلموا مع الواقع الجديد ، فقد ظلوا متمسكين بالروح الدينية ، بالروح الإسلامية ، بينما خصومهم إذا صح التعبير ، فنحن لا ننظر إلى أحد أنهم خصوم ، لكن هكذا يعاملوننا ، لذلك أقول إن خصومهم كانوا ينظرون إليهم نظرة شوفينية قومية عرقية ، كانوا يريدون أن يستأصلوهم ، ولعل مذكرات محمد طلب هلال بالنسبة للحالة السورية اكبر دليل على هذا ، فقد ركز على الناحية الدينية ، وأراد أن يشوه سمعة المسلمين الكورد ، ويشوه سمعة المشايخ الكورد ، وأراد أن يزيلهم عن المنطقة ، مع ذلك كان ردود أفعال المشايخ ليست بالدرجة المناسبة مع فعل خصومهم ، ظلوا متمسكين بالمظلة الإسلامية العامة ، بينما كان خصومهم بالنسبة لمصطلح أولئك الشوفينيين ، وإخوتهم في الإسلام بالمصطلح الكوردي ، كان خصومهم يحفرون من تحت أقدامهم ، وينخرون الشجرة .

 

أقول الآن بدأ المشايخ يشعرون أنهم تمسكوا بالوهم ، قلت لو أنهم تمسكوا بالإسلام مع المسلمين الذين يجسدون رسالة الإسلام لعدوها مكرمة ، ولكنهم بعد فترة شعروا أنهم تمسكوا بالوهم والخيال ، فنحن نلهث وراء الآخر ، والآخر لا يريدنا ، نحن نستظل بمظلة ، والآخر يمزقها ولا يريدها ، نحن نقول نحن نبقى مع أخوتنا العرب ، وأخوتنا العرب يقولون آمنت بالبعث ربا لا شريك له و بالعروبة دينا ما له ثان ، فأي دفاع أو مظلة إسلامية يمكن أن يظللني ، وهذا الرجل الذي يجسد هذا الشعور بسلوكه و علاقته مع المسلمين الآخرين ، إذا كان الأمر كذلك ، أقول إن العلماء والمشايخ الكورد الآن بدأوا يحسون بالجرح ، وبدأوا يحسون بالذنب ، ويراجعون حساباتهم ، وهم أهل بأن يتحركوا بالمستقبل ، ويساهموا في نهضة هذا الشعب المظلوم ، و الدفاع عن حقوقه .

 

جارجرا : انتم كرجل دين إسلامي تؤمنون بعالمية الدين الإسلامي ، فكيف يمكن للإسلام أن يصل إلى كل الشعوب وهو يمجد ويقدس ارضاً في أوطان آخرين (مكة كقبلة للمسلمين – القدس ) يضطهدون شعوبا إسلامية أخرى ، يعيشون في دولهم حسب رأيكم ؟ .

 

هناك فاصل بين الأمكنة والأشخاص ،  ولا يمكن يوماً من الأيام أن نحمل مسؤولية الأشخاص على الاماكن ، الذين يحاسبون على تصرفاتهم هم الأشخاص ، أما الأمكنة والأزمنة فهي ليست مكلفة ، وإذا كان معشوق الخزنوي في مكان معين أساء التصرف ، فما ذنب هذا المكان ، إن هذا المكان لا يتحمل أية مسؤولية ، وبالتالي فالإسلام بالفعل هو رسالة عالمية ، وللشعوب كلها ، ولا بد أن يكون هناك موقع معين لهذه الرسالة ، فلوا أن الله اختار استانبول موقعا لهذه الرسالة أو فرنسا ، فليس بالضرورة أن يكون الفرنسيون أو الأتراك أفضل من العرب في اضطهاد الشعوب الأخرى .

إن أي إيديولوجية لها مكاسبها ، ولها مكانتها في قلوب الناس ، طبيعي أن يستغل معتنقوها نفوذهم في هذا الدين ، وقربهم من هذا الدين ، في استغلال الآخرين ، والبشر ليسوا معصومين ، ولعلنا الآن لو نظرنا إلى الإيديولوجيات الحديثة في التاريخ الحديث ، لوجدنا حول الإيديولوجيات هذه المئات والآلاف من المنتفعين الذين يحومون ويطوفون حول هذه الإيديولوجيات .

ليس عار على الإسلام أن يكون له مكان معين كمكة أو المدينة أو القدس ، بل إن من الطبيعي أن يكون له مكان ، وليكن هذا المكان في استراليا لا يهم .

إن تعرض الشعب الكوردي ، أو أية شعوب أخرى للظلم من قبل العربي أو من قبل التركي أو من قبل الفارسي لا يؤثر على قدسية أي مكان ، ولا يؤثر على قدسية رسالة نزلت في حقبة قبل 1400سنة  ، كما يقول الله تعالى في القرآن ، ويكرر هذه الآية التي مرت حرفياً مرتين في القران تأكيداً على المبدأ ( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يفعلون) إن الإسلام و محمداً صلى الله عليه وسلم ، والرعيل الأول من الذين حملوا رسالة الإسلام بكل إخلاص ، وكذلك تلك الأماكن المقدسة ،لا يتحملون أية جريرة بسبب ما فعله أتباع هذه الديانة بغيرهم ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم ومكة بالذات ، والمدينة هذه الرحاب الطاهرة ، كانت تضم أفراداً ربما قلائل من الشعوب الأخرى ، لكن هذا الإسلام أحيا صلة المواطنة بينهم ، ولم يحاول أن يفرض عليهم الإسلام ، فلما دخل المدينة كان هناك اليهود وجماعات أخرى وثنيون وآخرون فالنبي صلى الله عليه وسلم وقع اتفاقية المدينة ، ووثيقة المدينة معروفة أن النبي صلى الله عليه وسلم وقع فيها أن محمد ومن معه من الاوس والخزرج و يهود المدينة هم لأمة دون من سواهم ، ويوم دخل مكة فاتحاً لم يجبر أحداً على أن يغير ديانته ، بل قال اذهبوا فأنتم الطلقاء ، وهكذا فرسالة الإسلام عالمية ، وليس لاستعباد احد ، ولا لاستغلال احد ، فإذا نمت على ميزات هذا الدين ومكانة هذا الدين دولة كباقي الدول ، وتشرف بقيادة هذه الدولة شعب من الشعوب ، وليكن الشعب التركي مثلا 400 سنة ، أو بالنسبة لغيرنا من الشعوب هناك شعوب أخرى استعمرتهم وفرضت عليهم حكمها ربما الدولة الصفوية ، وربما في باكستان ممالك ودول أخرى ، أو في مناطقنا الدولة العربية سواء كانت أموية أو عباسية أساءت التصرف مع بعض الشعوب ، هذه تصرفات تكتب على من مارسوها وليس على تلك الأماكن أو على الإسلام ، أنا لا أشعر بأية جريرة أن اذهب مثلا إلى نيويورك وبيني وبين كلينتون أو ريغن مشكلة معينة ، أو بيني وبين الدولة الأمريكية مثلا مشكلة معينة ، نعم : لا تتحمل نيويورك أي ذنب ، ولذلك يقول الله تعالى ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى ). لكن مشكلة الكثير من شباب الكورد ، وهذه مشكلة أنا أعاني منها نظراً لأننا تقاعسنا في فترة من الفترات ، وما تحملنا مع الشاب الكوردي معاناته في تلك المرحلة ، أعني على الأقل مرحلة ال50 سنة الأخيرة من القرن العشرين ، فشعر أنه قد استفرد الخصوم به ، و أن علماء المسلمين تركوه في الساحة وحيداً ، فجاءت التيارات الأخرى الإلحادية واستقطبته ، وقالت له إن الذين يعتدون عليك هم حملة الإسلام ، وإخوتك في الدين ، فالعرب مسلمون ، والأتراك مسلمون ، والفرس مسلمون ، فمشكلتك في هذا الدين ، وبدأوا يثيرون الحقد في قلبه ، حتى أصبح يحقد حتى على الأماكن ، لكن نحن الآن بحاجة أن نكون أكثر عقلانية ، ونضع النقاط على الحروف ، و لا يمكن أن تتحمل أرض القامشلي أية جريرة بسلوك قام به عناصر من الأمن في القامشلي ضد جماعة معينة ، وكذلك لا تتحمل مكة أو المدينة أو القدس من جراء تصرف بعض المسلمين ، أو الدول الإسلامية ، أو الدول التي تسمت بأنها دول إسلامية وأساءت التصرف ضد بعض الشعوب أو استغلتهم أو استعمرتهم .

 

جارجرا : ما هو موقفكم تجاه الانتفاضة الكوردية 12.3.2004 وموقفكم من قمع السلطة لها بالرصاص الحي ؟

بالنسبة لانتفاضة القامشلي أنا أعلم أن الكثير من الناس يتحرجون من تسمية انتفاضة القامشلي باسم الانتفاضة ، لا ادري هل جهلاً بمعاني اللغة العربية ، أو ربما خوفاً ، لأن جهة معينة لا ترغب بهذا الاسم ، أو أن هذا مصطلح خاص بالشعب الفلسطيني ، ولا يجوز أن نستعمله يعني ماركة مسجلة.

 

في الحقيقة المصطلحات ليست ملكاً لأحد ، ولو أننا عدنا إلى الجذر اللغوي لكلمة انتفاضة لرأينا أن انتفض بمعنى تحرك حركة سريعة،  يقول الشاعر العربي مخاطباً حبيبته التي يرتعش هو من حبه وعشقه لها :

وإني لتعروني لذكراك هزة            كما انتفض العصفور بلله القطر

حين يتبلل العصفور ينتفض ليزيل هذه النقاط ، وعلى هؤلاء أن يقولوا يمنع استعمال الانتفاضة للعصفور.

 

الانتفاضة كلمة فضفاضة واسعة بمعنى تحرك حركة سريعة ، هذا هو معنى الانتفاضة ، وعلى هذا الأساس بالتأكيد إن شوارع هذه المدينة تحركت حركة سريعة ملفتة للنظر ، فاجأت السلطة ، وحتى نحن ككورد فوجئنا ، وأظن أن الحركة السياسية فوجئت ، لأن الحركة السياسية ما كانت تتوقع أن هناك وعي بهذا القدر لدى هذه الجماهير يوصلها إلى هذه الحركة.

 

50 سنة من القمع والظلم ، وتغيير الأسماء ،وحجب الجنسية ، والإنقطاع عن الوظائف والمواقع، وإبعادهم عن أراضي أجدادهم إلى مواقع أخرى ، وتغيير أسماء قراهم ، وزجهم في السجون ، وتعذيبهم خلال هذه ال50 سنة كانت كافية أن ينطبق فيهم قول الشاعر:

أسمعت لو ناديت حيا     ولكن لا حياة لمن تنادي

هذا الواقع كان ينبغي أن يزول ، لكن الذي حصل عكس هذا تماما ، فلا يمكن أن نسمي هذه الحركة إلا باسم الانتفاضة ، الاسم الطبيعي لها ، إن الإنسان بعد أن مات ، تبين أنه ليس بميت ، وتحرك فهي انتفاضة ، وأظن أنه لم يكن بحاجة إلا إلى حركة بسيطة ، بسبب الاحتقان ، وأظن أن الرئيس بشار الأسد أشار إلى هذه النقطة ، حين قال إن هناك ظلم موروث ضد هذا الشعب ، على كل حال هو أشار إلى أن هناك ظلم حصل في الخمسينات الأخيرة ، هذا الظلم ولَد احتقانا كان بحاجة إلى القشة التي قصمت ظهر البعير ، والنقطة التي جعلت البرميل يطوف ، لم يكن بحاجة كما يقول المثل الفرعوني ، الذي يقول لشخص يشعر أنه بميت يقول المثل الفرعوني : قم انهض فأنت لست بميت ، الحقيقة أن الشعب لم يكن بحاجة إلى حركة سياسية تقول له انهض ، فأنت لست بميت ، لأن الحركة السياسية كانت بحاجة إلى من يقول لها انهضي فأنت لست بميتة ، الذي حصل أن فعلاً إجرامياً وقع بشكل تعسفي ، ورمي الشعب والأبرياء والشباب والأطفال بالرصاص الحي ، وهذا كان كافيا بأن ينتفض الشعب.

 

وأنا أتصور أن الخسارة كانت كبيرة ، يعني فقدنا ما يقارب 40 شاباً وقعوا صرعى بأيدي آثمة ، وجرح ما يقارب 500 جريح ، والآلاف سجنوا ، وأخرج الكثير منهم لكن لا زال العشرات باقون…

أنا أقول : إن الخسائر كانت كبيرة ، ولكن إذا قارنا الخسائر بالنتائج ، لا يمكن أن تحسب شيئاً ، مع احترامي لدماء الشهداء ،ومشاعر الأمهات الثكالى ، ولأبنائهم اليتامى ، فإن هذه كلها لها قيمة ، فأنا أتصور أن هناك الكثير من الإنجازات ما تحققت لولا انتفاضة القامشلي .

 

الآن لا توجد دولة في العالم إلا وتعلم أن هناك مشكلة كوردية في سورية ، بينما حتى وزير الداخلية في سوريا كان يقول لا توجد هناك مشكلة كردية في سوريا ، بل أحياناً كانوا يقولون لا يوجد كورد ، و حتى إذا قالوا إن هناك كوردا كانوا يقولون هناك كورد عرب سوريون ، وأنا لا أدري كيف يكون الإنسان كورديا عربياً ، أو كوردياً تركياً ، أو كوردياً فارسياً ، إن مسألة المحو وعدم الاعتراف بالوجود هذه خرجنا منها ، ولأول مرة يقول الرئيس بشار الأسد على شاشة تلفزيون الجزيرة إن القومية الكوردية جزء من النسيج السوري ، وهذا بتصوري وأقصد فقط هذا الاعتراف بغض النظر كم يجسد مستقبلا إلى واقع ، وكم يترتب عليه من إنجازات ، وكم يتطلب من استحقاقات ، على كل حال مجرد أن نمنح من أعلى سلطة في البلد هذه الخصوصية ، وهذا الاعتراف أنا أقول إن خسائرنا تتلاشى وتظهر بسيطة أمامها وتهون.

 

جارجرا : من الناحية الإسلامية كيف تحكمون على أولئك الذين سقطوا في الانتفاضة الكوردية ، هل هم شهداء ؟

لا شك أنهم شهداء ، فشرعاً من قتل دون ماله ، أو دون عرضه ، فهو شهيد ، وهؤلاء خرجوا مجردين مسالمين يبحثون عن أقاربهم في الجرحى ، أو كانوا على شرفات دورهم يستطلعون الأخبار ، وفي أسوأ الأحوال كانوا يتظاهرون ضد تصرف ظالم طائش .

 

إن هؤلاء لم تكن معهم أسلحة حتى نقول إن القاتل والمقتول في النار ، لأن هذين مسلمان التقيا بسيفيهما، إن هؤلاء أناس أبرياء كانوا يمارسون حقوقهم البسيطة ، بل أبسط الحقوق التي يضمنها لهم شرائع ولوائح حقوق الإنسان ، وهو أن يتظاهروا ويقوموا باستنكار الجريمة ، فهم أناس أبرياء سقطوا في ساحات الظلم والاضطهاد ، وبالتأكيد هم شهداء ، وإذا لم يكن البريء شهيدا فمن يكون شهيدا ، ولكن وحتى نكون دقيقين أقول :

هناك معنى آخر للشهادة بمعنى الذي لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ، وهؤلاء ليسوا شهداء بهذا الحكم لأن الذي لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه هو شهيد المعركة ، الذي يقتل في المعركة دفاعاً عن الأرض والعرض والدين وكلمة الله ، وهؤلاء لم يسقطوا في المعركة ، وبالتالي فهم ليسوا شهداء بهذا المعنى أي في حكم الغسل والتكفين وصلاة الجنازة ، ولكنني أؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم يرى المبطون شهيداً وهو الذي أصيب بالإسهال ، ويرى المحروق شهيداً وهو الذي يموت بالحرق ، ويرى الغريق شهيداً وهو الذي يموت بالغرق ،  وكذلك كل من يموت بأي آفة أوجائحة جماعية أو غيرها ، فهؤلاء على الأقل ماتوا بآفة جماعية ، وكان هناك ظلم ، أو كانت هناك مكيدة أريدت بهؤلاء المظلومين ، وهؤلاء راحوا ضحيتها من دون أن يكون لهم يد فيها ، و لو أنك سألت أي واحد من أولياء هؤلاء سيقول :إن ابني كان مجرداً وخرج مع هؤلاء المجردين ، بل ربما بعضهم كانوا متفرجين مساكين على أبوابهم يتفحصون ويسألون عن الخبر ، ما هي المشكلة ، وجاءت رصاصة طائشة وقتلت هؤلاء ،  بالتأكيد بحكم الغرقى و الحرقى والهدمى والمبطونين ولذلك فهم في حكم الشهداء.

 

جارجرا : عند الحديث عن الكورد يتم الخلط بين حق الفرد الكوردي وبين حق الشعب الكوردي ، إما من قبل رجال الدين أو من قبل القوميات التي تستعمر كوردستان ، برأيكم لماذا هذا الخلط ، وكيف يمكن التفريق بين الأمرين ؟ .

بالنسبة للشعب الكردي في الدول الأخرى ربما يكون هذا موجوداً ، ففي تركيا يفصلون بين حقوق الكورد كفرد أي (كمواطن) وبين حقوق الكورد كشعب يعيش على أرض أجداده ، نعم في تركيا أغلب الحقوق مضمونة للفرد ، وإن كان كوردياً ، وهو يحمل الجنسية التركية ، وبإمكانه أن يحتل أي موقع في البلد ، و بإمكانه أن ينتخب ، وبإمكانه أن يُنتخب ، وبإمكانه أن يكون عضواً في البرلمان ، والكثير من رؤساء جمهوريات تركيا أكراد ، ورؤساء الوزراء أكراد ،  لكن هذا الحق الذي يعطى لهذا الإنسان كمواطن تركي ولا يعطى كشعب كردي ، ولو أنه قال أنا كوردي لم يمنح هذا ، أما كمواطن تركي فيعطى هذا الحق ، لكن لو تحرك كشعب ، ولذلك نرى أحزاباً كوردية تغلق عشرات المرات ، وتبدل أسمائها ، ثم تحذف أحزاب أخرى ، لأن هذا الحق لا يعطى لهم كشعب ، أما بالنسبة لنا في سوريا فقد كان هذا صحيحاً أيضا قبل الستينات ،  وقبل أن تأتي الحكومة القومية العرقية (سواء كانت بعثية أو غير بعثية ) إلى سورية ، وطبعا هذا قبل مشروع الإحصاء الاستثنائي ، وقبل مشروع محمد طلب هلال ، وقبل مشروع جمال عبد الناصر ، فقد كانت هناك دولة سورية مستقلة ، قامت بعد خروج الاحتلال الفرنسي ، فقد كانوا أيضا يميزون بين الكوردي كفرد ، وبين الكورد كشعب ، وكثير من القادة كانوا أكراداً ، ولكن على غرار ما قاله نائب وزير الإعلام كانوا أكراد عرب سوريون ، أما بعد 1961 فأنا لا أجد هناك فرقاً بين الحق الكوردي الفردي وبين حق الكورد كشعب ، فحتى الفرد الكوردي ليس له حقوق ، بل حتى الذي تفضلت الحكومة عليه بالجنسية السورية ليس له من الحقوق كغيره ، فأنا كشخص أحمل الجنسية السورية ، وأحمل الهوية السورية وأنا أعمل في كثير من الميادين العلمية والاجتماعية والدينية وخاصة في مجال التجديد الديني ، وتصحيح مسار الرسالة الإسلامية ، وإعادتها إلى منابعها الأصلية ، وإحياء صفة المواطنة ، وقبول الآخر ، والتركيز على حرية العقيدة ، والتعددية وغير ذلك مما لا ينكر أحد أن البلد بحاجة إليه ، ومع ذلك فأنا لا أزال أقيم أمنيا ككوردي من أصل تركي ، فحتى كأفراد لا نمنح هذا الحق ، وثمة أكراد يحملون شهادات عالية لا يجدون لهم عملاً ،  لا لشيء سوى أنهم أكراد ، على سبيل المثال بل والنكتة لدينا في القامشلي رجل يبيع الخضار على عربية كبائع متجول هو يحمل دكتوراه في السياسة والقانون الدولي ، وآخر يعمل في تصليح الأحذية وهو خريج كلية الحقوق…

 

جارجرا : يطالب الكوردي بإعطاء الفرصة – الزمن- للشخصيات أو الحكومات الجديدة التي استلمت ساحة السلطة في تركيا و سورية ! عجبا ماذا ينتظر الكورد؟ والأجهزة الأمنية تلعب على عامل الزمن لتقمع الكورد وتستبدل كل معالم وجودهم ؟ .

 

قضية أن تمنح الحكومات الجديدة . أو تمنح الشخصيات الجدد المزيد من الوقت ، هذا شيء صحيح ، يعني مثلا لنتحدث عن الواقع السوري الرئيس بشار الأسد عندما جاء قال لا أملك عصا سحرية أغير به الموازين وأي عاقل ينبغي أن يقر له هذا الشيء فالتغيير في سورية لا يمكن أن يحصل بإصدار مراسيم ، وكم من المراسيم صدرت ولا نرى أي اثر لها على الواقع ، لأننا بحاجة إلى تغيير ثقافة المجتمع.

نحن الآن جيل الخمسينات تربينا على هذه الثقافة ، وأيضا أمثالنا الآلاف بل الملايين عشنا على هذه الثقافة ، ولا بد أن نعطي الزمن حقه حتى يحدث تغيير حقيقي، و لكن هناك فرق بين أن تقر للزمن بأثره وبالتالي تكون واقعياً لا تطلب الشيء قبل أوانه ، ولا تقطف الثمرة قبل نضجها ، وهذه كلها أحكام صحيحة يقول بها  كل عاقل.

نعم إن هناك فرقاً بين هذا الذي سبق ، وبين أن تنام حتى يعطيك الزمن ، أو حتى يعطيك الأشخاص الجدد ، أو حتى تعطيك الحكومات الجديدة ، إن الحقوق لا تمنح ولا توهب إن الحقوق تنتزع ، نعم طبيعي أن تمنح الفرصة للشخصيات الجديدة ،وتعطي الفرصة للحكومات الجديدة ، ولكن هذا لا يعني أن لا تطالب بحقك ، بالعقل ، والمنطق ، والعمل السياسي ، والدبلوماسي ، والسلمي ، والحراك الثقافي ، وتبحث عن حقك بكل ما أوتيت من قوة ، ضمن الأنظمة المرعية ، لا تخرق قانوناً ، ولا تسيء إلى سمعة مطالبك ، فقد تكون مطالبك في الأساس صادقة ، وحقيقية ، ومحقة ، ولكنك بتصرف طائش ، وفي غير وقته ، قد تفقد المصداقية لهذه المطالب ، بل أحياناً الظلمة الذين ينتزعونك حقوقك هم يراهنون على أن تتصرف تصرفاً خاطئاً ليقولوا للناس هذا لا يبحث عن حقوقه ، إنما هو يريد شيئا آخر ، كما حدث في أحداث القامشلي ، فالكثير من المسئولين بدأوا يروجون أن الكورد افتعلوا ، لم يقولوا إن الكورد تحركوا بردود أفعال ، ونهضوا من الاحتقان طويل الأمد ، قالوا إن الكورد افتعلوا المشكلة بضغط وتوجه من الخارج ، وهم مرتبطون بالخارج ، وهم يريدون الانفصال ، بينما في الحقيقة هذه كلها ادعاءات لم يكن لها أساس ، بدليل أن الرئيس بشار الأسد نفسه قال : لم يكن هناك علاقة للأكراد مع الخارج ، ولم تكن هناك مؤامرة ، إنما كانت هناك ردود أفعال من الشعب الكوردي ، رداً على شيء من الاحتقان والظلم الذي حدث في الستينات ، إذاً نحن مع منح الفرصة للشخصيات الجديدة ،والحكومات الجديدة ، ولكن ليس معنى منح الفرصة أن لا نسعى ضمن الممكن ، بل إن السياسة هي فن الممكن .

 

جارجرا : هل العلمانية تعني الإلحاد ، والإسلامية تعني حكم الشريعة في الدولة والمجتمع ، وكيف يمكن طرح الإسلام في إطار القوانين المعاصرة ؟

العلمانية لا تعني الإلحاد ، بل تعني فصل الدين عن الدولة ، وهذا لا يعني الإلحاد ، وربما يكون هذا الكلام صحيحاً ، وربما العلمانية تعني الإلحاد مصداقاً للتجربة التي مورست في الدولة الإسلامية كتركيا ، وغيرها من الدول التي لم تفصل الدين عن الدولة فقط ، بل استخدمت الدولة والسلطة في محاربة الدين ، بينما العلمانية في فرنسا لا تعني الإلحاد ، والعلمانية في إنكلترا لا تعني الإلحاد ، والعلمانية في أمريكا لا تعني الإلحاد ، فأمريكا على سبيل المثال دولة علمانية ، بينما جورج بوش رجل متدين ، وهناك العشرات من القادة الأوربيين ممن أعرفهم ، وممن أقرأ عنهم ، يقودون دولاً علمانية وهم متدينون وليسو ملحدين ، ولكن تجربة مصطفى كمال ، وتجربة شاه إيران ، وتجارب في دول عربية كثيرة لا داعي أن نسميها هي التي أفرزت هذا المعنى ، حيث استعملوا سلطة الدولة ضد الدين ، ففهمنا أن العلمانية تعني معاداة الدين ، بينما الحقيقة ليست كذلك ، العلمانية تعني فصل الدين عن الدولة ، وأن يطبق المسلمون الإسلام كما هو بدءاً من سؤال أهل الذكر ومن كان به خبيراً ، وانتهاء بقول الرسول صلى الله عليه وسلم أنتم أعلم بشؤون دنياكم ، فالعلماء ، والمتخصصون في الفقه ، والدراسات الإسلامية موقعهم المساجد ، وموقعهم الأكاديميات ، وموقعهم المراكز الثقافية ، والنوادي ، والمنتديات من أجل أن يشرحوا رسالتهم ، فإذا استطاعوا أن يوصلوا هذه الرسالة للمجتمع بكل شرائحه ، فمن الطبيعي أن يفوزوا في صناديق الاقتراع ،  وأبناء اليوم هم رجالات المستقبل والغد ، وإذا لم يستطيعوا أن يوصلوا رسالتهم ، فذلك لعجز فيهم ، ومن الطبيعي أنهم سينتظرون في الصفوف الخلفية ، أما أن يقول إن الإسلام يحمل شعاراً سياسياً ، ويملك نظرية سياسية ، كما تقول أنت : الإسلام لديه نظرية سياسية و بإمكانه أن يقود المجتمع بتفاصيل حياته السياسية و باسم الإسلام ، فهذا شيء غير صحيح ، نحن كإسلام ودين لا نملك نظرية سياسية من خلالها نقود المجتمعات ، وليس من اختصاصنا أن نقدم للبشرية مثل هذا ، نحن عندنا قيم أخلاقية ، ومنظومة أخلاقية عامة ، تشمل الجانب السياسي كما تشمل كل جوانب الحياة ، ففي السياسة نحن ندعوا إلى العدالة ، والمساواة ، وإلى الشورى ،وإلى حرية الناس في معتقداتهم ، وحرية الناس في آرائهم ، وضمان حقوق الناس على اختلاف أعراقهم ولغاتهم ، وهذه قيم أخلاقية عامة ، تنظم حياتناً ، ولكننا لا نملك نظرية سياسية بكل تفاصيلها ، كالنظرية الشيوعية ، أو كالنظرية الغربية ، وإذا حكم المسلمون الملتزمون بالإسلام فسيحكمون بناء على اجتهاداتهم ، وما تمليه عليهم مصالح الأمة ، وبناء على تجاربهم الشخصية والبشرية فمثلهم مثل غيرهم ، باختصار نحن لا نملك نظرية سياسية على أساسها نقود المجتمعات ، ولكننا نحن نسعى أن يكون هناك منظومة أخلاقية إسلامية تكون مرجعية عامة،  تهيمن على المجتمع الإسلامي حتى لا يحصل ظلم وفساد وفتنة في المجتمع، وما عدا ذلك فالناس أدرى بشؤون دنياهم ، بل أينما وجدت الأمة مصلحتها فثم شرع الله .

 

جارجرا: يصر الكثيرون من الإسلاميين على تطبيق شريعة الإسلام كما وجدت ، فكيف يمكن الحفاظ على الإسلام كشريعة حية والتمسك بالأحكام التي تخطتها ظروف الزمن – مثلا توزيع الأنفال- وهل يمكن استبدالها بأخرى مع الحفاظ على إسلامنا؟ .

أنا لا أرى إن الإسلاميين يصرون على تطبيق الإسلام كما أنزله الله على رسوله ، و لو أنهم أصروا على تطبيق الإسلام كما نزل ، فليس لنا مشكلة لأن الإسلام في 80% منه متغير و 20% منه من الثوابت ، والثوابت هي قضايا عقدية ، وقضايا عباداتية ، وقيم أخلاقية لا دخل لتطور الزمان بها ،  فالله واحد ويبقى واحد تغير الزمان أم لم يتغير ، وصلاة الظهر 4 ركعات قبل 1400 سنة وبعد آلاف السنين ستبقى 4 ركعات ، والصدق ، والأمانة ، خلقان شريفان وسيبقيان كذلك مهما مر الزمن ، لكن المشكلة أن الإسلاميين يصرون على تطبيق الإسلام كما مورس خلال التاريخ ، وضمن الوعاء الذي مورس فيه خلال التاريخ ، وهو جهد بشري ، هذا الجهد البشري الذي طبق قبل 1400 سنة ، حتى في حياة الرسول فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن دائماً يتصرف بوحي ، فقد كان يتصرف أحياناً كقائد جيش  ، كقائد معركة ، كرئيس دولة ، فما تصرف به كوحي فهذا يجب أن يطبق ولا يمكن لأحد أن يتردد ، ما دام يقول أنا مسلم فينبغي أن يطبق أمر الله ورسوله ، إلا إذا قال أنا لست مسلماً فعندها لا داعي أن ينادي بالتجديد الإسلامي ، فالرجل غير المسلم لا يحق له أن يقول تعالوا فلنغير في الإسلام ، ولنجدد ولنبدل ، لا علاقة له بالدين ، فليبني حياته بطريقة أخرى ، أما إذا كان الرجل مسلماً فهو يضطر أن يخضع للوحي ويقول سمعنا وأطعنا ، وفكرة الفصل هذه استقاها المسلمون من نصوص كثيرة ، منها قول الله تعالى عن حقيقة النبي صلى الله عليه وسلم  ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي ) الفرق بيني وبينكم يوحى إلي ، إذا قلت لكم شيئا بناء على وحي من السماء سواء كان قرآناً أو شرحاً وتبياناً له ، فأنتم يجب عليكم السمع والطاعة ، و إذا قلت لكم شيئاً بناء على الجهد البشري فأنا أُناقش ، وقد أكون مصيباً وقد أكون مخطئاً ،  وحتى إذا كنت مصيباً ، فقد أكون مصيباً لأن الحادثة تجعلني مصيباً ، لأنني اخترت الأفضل في تلك الحادثة ، وبعد 1000 سنة ربما يتغير الحكم ، ولذلك يقول الفقهاء لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان ، ولذلك كان العرف والمصلحة المرسلة من جملة الأصول التي على أساسها نستنبط الأحكام ، ولذلك يقول ابن القيم أينما وجدت مصلحة العباد فثم شرع الله .

أعود فأقول : المشكلة هي أن الإسلاميين لا يعودون إلى الإسلام كوحي ، إنما يعودون إلى الإسلام كممارسة رجال ، ضمن الظرف الذي مورس قبل 1400 سنة ، لذلك الآن حين نريد أن نطبق تلك الممارسات ، لا بد أن نعيش حياة ما قبل 1400 سنة ، لا يمكن أن نعيش حياة هذا القرن قرن ال21 ونحن نعيش بآلية وعقلية ووسائل ما قبل 1400 سنة ، إن أجدادنا الأوائل فهموا النص المقدس ضمن ضوابطهم ،و وضمن مطالبهم ، وضمن زمانهم ، ومكانهم ، ويجب أيضاً أن نفهم النص المقدس ضمن ضوابطنا ، ومصالحنا ،  ومنافعنا ، وزماننا ، وأوعيتنا ،  ومكاننا .

 

جارجرا :  برأيكم ما هي النتائج الإيجابية لزيارة سفير مملكة النروج إلى القامشلي ، ولقاءه مع مسئولي الأحزاب الكوردية في مركز الدراسات الإسلامية الذي تديرونه ؟ وهل يمكن أن نثق بهم كمساعدين أو موالين للقضية الكوردية وتاريخ الأوروبيين مليء بالغدر بين اليوم والأمس؟

طبعا هناك فرق بين الأوروبيين اليوم و بين الأوروبيين بالأمس ، نحن نقول (  لا تزر وازرة وزر أخرى) أنا لا أتحمل أي مسؤولية عن تصرفات خالد بن الوليد وعمرو بن العاص ولا أتحمل أي مسؤولية حتى عن تصرفات أبي بكر وعمر ، فكيف يجوز لي أن أحمل هذا الجيل الجديد من الأوروبيين الذين هم يحرصون على نشر الحريات ، والديمقراطيات ، وحقوق الإنسان بين الناس ، أن أحملهم مسؤولية تصرفات سايكس ، أو بيكو ، أو فلان أو علان ،  إن هذا من الظلم أولا ، الأوروبيون الآن هم ليسوا أوروبيي الأمس ، حتى في الثقافة و الجغرافيا وفي المكان كما في الزمان ، لا يمكن أن نساوي بين الدول الإسكندنافية ، وبين الدول التي استعمرتنا كفرنسا وألمانيا وإنكلترا وإيطاليا ، وغيرها من هذه الدول التي كانت لها مصالح في منطقتنا ، فالدول الإسكندنافية لم تعتد على أحد ولم تغدر بأحد ، بالعكس هي كانت شعوباً مضطهدة ، ومظلومة ومستعمرة ، ونهضتها لا تبلغ من العمر إلا 50 سنة ، هذه من الناحية الثانية ، أما من الناحية الثالثة فحتى الأوروبيين الذين نرى أنهم قد غدروا بنا بالأمس ، هم اليوم يتحركون لحل مشكلاتهم التي نتجت من مشكلتنا ، اليوم شعوب الشرق الأوسط وفي مقدمتهم الشعب الكوردي يلجأ إلى الأوربيين ، فهناك مهاجرون كثر في ألمانيا وبلجيكا وفرنسا وهولنا والسويد ، وكل بقاع العالم الأوروبي ، ونحن لا شك نعيش هناك في الغالب ، بعقليتنا المتخلفة ، وطباعنا وعاداتنا التي هي نتاج ثقافتنا المتخلفة ، وهم أناس الفارق بيننا وبينهم أكثر من 100 سنة ، مطلقا أكثر من قرن ، والفارق يتسارع ، وهم ليسوا على استعداد أن يتأثروا بسلبيات هذه الشعوب المهاجرة ، ولا زال بعض المسلمين الذين هاجروا إلى أوروبا ، إن لم يكن الكثير منهم ، لا زالوا يعيشون بعقلية هذه المنطقة ، وثقافتها ، لا زالوا- أي البعض – يحتالون ، ولا زالوا يكذبون ، ولا زالوا ينافقون ، ويعيشون حياة مزدوجة ، بشخصيتين مزدوجتين ، ولم يندمجوا في مجتمعاتهم ،و يرتكبون الجرائم ، أقصد من هذا أن الأوربيين أناس بنوا دولهم الحديثة وفق منظومة ثقافية واجتماعية سياسية تتناسب مع وعيهم ، وهم لا يسمحون لشعوب أخرى ، ولو جاءتهم ، والتجأت إليهم و هي مظلومة ، وهم أشفقوا عليها وأعطوها اللجوء ، أن يعبث بمنظومتهم وثقافتهم ، والآن هم بدأوا يعانون من شيء من هذا ، وهم يشعرون أنه لا يمكن إيقاف هذا المد من المهاجرين الذين يعتبرونهم كقنبلة سكانية تنفجر في أوروبا ، لا يمكن أن يوقفوا هذا المد إلا بإحياء استقرار هذه الشعوب في مواطنها ، وبناء أوطان مستقرة ، وحياة حرة كريمة لأبنائها ، حتى لا يهاجروا من تلك البقاع ، إنهم ينفقون على كل شخص ربما 1000 يورو كل شهر ، و ربع هذا المبلغ لو أنفقوه على الشعوب المهاجرة في بلادها ، لما هاجر إليهم أحد ، إذا حتى من باب مصلحتهم اليوم ، هم حريصون على الاستقرار في مناطقنا ، والديمقراطية في مناطقنا ، والحرية في مناطقنا ، على الأقل لإيقاف هذا المد الكبير من المهاجرين ، أما الآثار الإيجابية لمجيء سفير النرويج فأنا لا أعلق كثيراً من الآثار الإيجابية على سفير النرويج ، نعم سفير النرويج هو صديق للشعب الكوردي ، والحكومة النرويجية هي صديقة ، والتقيت برئيس الوزراء ، ووزير الخارجية ، وأعضاء في البرلمان ، وكلهم يعرفون عن قضيتنا مثلنا ، ولذلك من الجدير بالذكر أن أقول إن سفير النرويج قال بعد أن استمع إلى جميع الكلمات الكوردية قال إنكم لم تضيفوا إلي معلومة جديدة ، فمعظم هذه الآلام أنا أعلمها ، وأعيش تفاصيلها وأشعر بها ،  من هذا الباب فليس هناك آثار جديدة إيجابية يمكن أن نعلقها على سفير النرويج لكن الأثر الإيجابي الوحيد هو أن القبضة الأمنية تشعر أن هذا الشعب بدأ الناس يسألون عنه ، هذه نقطة إيجابية ، وإن أي مشكلة ، أو جريمة تقع مستقبلاُ ، سيداولها الناس في محاكمهم الدولية ، وهذه نقطة إيجابية أخرى.

 

جارجرا : السؤال الأخير سؤال خاص ما هي الظروف التي ساهمت في تبنيكم هذا النمط من العمل الإسلامي ، على النقيض من معظم أفراد عائلتك ؟ .

 

أنا منذ عام 89 اعتليت المنبر بصفتي كمستقل ، وخرجت عن مظلة العائلة ، وحتى حين كان والدي حياً ،  فوالدي توفي عام 92 ، إذاً أنا اعتليت المنبر بصفتي طالب علم مستقل ، لا أتحمل أي مسؤولية عن تصرفات أحد ، لست أنا صورة طبق الأصل عن ثقافة أحد ، وإنما أنا كما أنا ، أفكر كما أنا ، وحاولت أن أقدم رسالة تجديدية الهدف منها نهضة المسلمين ، وإيقاظهم ، وتخليصهم من عبادة العبيد ، لأن رسالة الإسلام في الأساس هي إخراج العبيد من عبادة العبيد إلى عبادة رب العبيد ، وتحريرهم مما كنا نعيشه في السابق ، ولا زلنا نعيش هذه الثقافة ، وخاصة في بلاد الكورد ، ثقافة تقديس الرجل الصنم ، الرجل الإله ، أو الرجل الذي يمثل الإله ، أو الذي أوكل إليه الإله مهمة قيادة العالم ، وهمي هو في الأساس نقض هذه الثقافة ، وأنا حاولت أن أوصل هذه الرسالة الإسلامية الصافية إلى مجتمعي ، وشعبي ، لكنني فوجئت أن هذا الشعب بكثير من أطيافه في آذانه صمم ، وليست لديه القدرة على أن يسمعني ، والسبب في ذلك هو أنه لا توجد لي ، لا بصفتي كشخص ، بل بصفتي كرجل دين ، أقول لا توجد لي مصداقية لدى الشارع الكوردي ، لأن الشارع الكوردي ينظر بريبة إلى المسلم ، وهو يشعر أن المسلم دائماً يحاول أن يستغله ككوردي ، وأنه كلما تحرك ليطالب بهويته ، يرفع خصومه الإسلام في وجهه ، و لو طالب بأرضه يرفعون الإسلام في وجهه ، و لو أراد أن يتعلم بلغته يرفعون الإسلام في وجهه ، السبب في ذلك كما قلنا سابقاً بعد المشايخ كمجموع لا كأفراد ، ففي تاريخ الكرد أفراد يرفع الكرد رؤوسهم بهم فخاراً ، نعم إن عدم الشعور بمعاناة من تدعوهم إلى الإسلام ، بالتأكيد يفقدك المصداقية لدى من تدعوهم ، اليوم لو لم أكن أنا في دعوتي الإسلامية ، لو لم أكن في منطقة الأكراد لما تكلمت إلا ربما بصورة عابرة عن الأكراد  ، كما أتحدث عن أي مشكلة في العالم ، لو كنت في جنوب إفريقيا سأتحدث عن مشكلة الإيدز ومكافحتها ، لأنني لا يجوز لي كرجل دين أن أتحدث عن مشاكل غير موجودة في مجتمعي ، يجب أن أكون وثيق الصلة بمن أدعوهم ، حتى أحافظ على مصداقيتي في رسالتي الإسلامية ، يجب أن أكون قريباً من هذا الشارع حتى أقدم له المبادئ التي تخدمه في مشكلاته ، لو أنني كنت في وسط إفريقيا لفرغت نفسي لمكافحة المجاعة ، لو أنني كنت في دارفور لوقفت مع هذا الشعب المسكين الذي يتلقى المذابح الجماعية من بني جلدته في الدولة التي تسمي نفسها بالإسلامية ، لا أدري ربما من سوء حظي أو من حسن حظي أنني ولدت كوردياً ، وأنني أعيش في هذه المنطقة من العالم ، وأن أعمل في حقل الدعوة الإسلامية ، وأن أعتلي المنبر ، أقول في هذه الأثناء شعرت أنني حين أتحدث عن العدالة ، والمساواة ، وحقوق الإنسان ، ينصت المستمعون إلي في المسجد بدهشة ، وكأنهم بحالهم يستهزئون بي ، ويضحكون علي ، ويقولون لي: لمن تتحدث ؟ وبعقل من تضحك ؟ أنت تتحدث عن تاريخ ، تتحدث عن ثقافة ، تتحدث عن اديولوجيات غير قابلة للتطبيق ، أنت تتحدث عن مثل غير واقعية ، أين إسلامك لما لا يحميني ، أين عدالتك لما لا تشملني ، أين مساواتك لما لا يساويني بغيري ، ولا ينالني منها حظ ولا نصيب ، لذلك أنا مضطر وأنا اعتلي المنبر ، منبر الإسلام ، منبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي جاء للشعوب كافة ، اضطر أن أنزل إلى الشارع ، والمزرعة والنادي ، لأحس بمعاناة هذا الشعب الكوردي ، و أقف معه في محنته ، وأدافع عن حقوقه ، وأدافع عن الظلم الذي يمارس بحقه ، ليس من باب العرقية والشوفينية ، فكل واحد يعلم أن أي شخص يحمل إيديولوجية دينية معينة ، بالتأكيد هو يسمو فوق الأعراق ، أنا كمسلم،  أنا أممي ، أنا بالنسبة لي رجل تركي جيد أفضل من ألف كوردي سيء ، أنا لست كأي عرقي شوفيني يقول :معهم معهم عليهم عليهم ، أو يقول : إن كوردي سيء أفضل من ألف تركي جيد ، أنا أقول شخص تركي جيد أفضل من ألف كوردي سيء ، بالمقابل شخص كوردي جيد أفضل من ألف تركي سيء ، وأفضل من ألف عربي سيء ، وأفضل من ألف فارسي سيء ،  بالمقابل شخص عربي جيد أفضل ، من ألف فارسي سيء ، وأفضل من ألف كوردي سيء ، أنا علاقتي مع الناس علاقة قيم ، علاقة مبادئ ، علاقة دين ، و حين أجد أن هذه القيم،  وهذه المبادئ ، استخدمت قنبلة في وجه هذا الكوردي ، أنا أضطر أن أنزع فتيل هذه الألغام ، لذلك دائما أقول : أنا لست سياسياً ، ولست عرقياً ، ولست معنيا في الدفاع عن عرق أو عن شعب ، أنا إنسان مسلم ، ورسالتي للشعوب كافة ، ولكن طبيعي إذا آلمني جزء من جسدي أن أحس به أكثر من أي جسم آخر، هناك مظالم عامة يشترك فيها الكوردي والعربي والتركي والفارسي ، وأنا أدافع عنها ، أنا أدافع عن العربي المظلوم ، أدافع عن التركي المظلوم ، أدافع عن الفارسي المظلوم ، أدافع عن الباكستاني المظلوم ، أدافع عن الشيشاني المظلوم ، ولكن هناك مظلمة للكورد ، مشتركة مع كل هذه الشعوب كمسلم بالإضافة إلى مظلمته الخاصة هذه  ، التي كانت مع الأسف على أيدي المسلمين ، فأخوته العرب هم الذين ظلموه ،  وأخوته الفرس هم الذين ظلموه ، وأخوته الترك هم الذين ظلموه ، وحرصا على مبادئ الإسلام أن لا تستهلك ، وأن لا تستغل من قبل المتصارعين في اللعبة ، سواء كان من طرف المظلوم ، أو من طرف الظالم أنا مضطر أن أقف مع المظلوم ، وأدافع عنه وفقاً للمبادئ التي أؤمن بها كمسلم.

جارجرا : كلمة أخيرة تود أن تقولها :

أنا أقول للشعب الكوردي إن كثيراً من أخوتك المسلمين الذين هم يظلمونك اليوم – نحن قلنا إن مظلمة الشعب الكوردي قادمة من المسلمين ، فالعرب مسلمون ، والترك مسلمون ، والفرس مسلمون – إن إخوتك المسلمين الذين يظلمونك ، يتمنون أن تكون ملحداً ، يتمنى هؤلاء أن تخرج عن دينك ، ليقنعوا شعوبهم ، تلك الشعوب التي لا زالت تعيش عقلية الحرب مع الآخر ، والصراع مع الآخر ، وتعيش آلية الأثنينية ، الخير والشر ، والإيمان والكفر ، أقول : إنهم يتمنون من هذا الشعب الكوردي أن يتصرف أي تصرفات خاطئة ، ليتمكنوا من فريستهم ، و يخاطبوا من خلال هذه التصرفات ، شعوباً بالعربية أو التركية أو الفارسية ليقولوا لهم ، أنظروا إلى هؤلاء الذين كنتم تقولون لنا لماذا تظلمونهم ، إنهم ملاحدة ، كفرة ، خرجوا عن الإسلام ، ولذلك فمسألتنا نحن الأنظمة مع الكرد ليست مسألة عرق أو لغة أو أوطان ، وإنما المسألة مسألة دين ، وإيمان وكفر ، لذلك ينادون :ياغيرة الدين وامعتصماه ! ليتمكنوا من تجييش هذه الشعوب ، لتتحرك من جديد باسم الإسلام ، ولينقضوا على هذا الشعب الكوردي المسكين باسم الله ، والدين ، والإيمان ،  بدلاً من اسم العرق ، والوطن ، والشعب ، فإياك أيها الشعب الكردي أن تحقق أهداف ظالميك وأعداءك .

أيها الاخوة الكرد : إن الذين يعادونك ويظلمونك هم المسلمون ، وليس هو الإسلام ، فحاول أن تفصل بين الإسلام والمسلمين ، كما قال الله تعالى (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا إعدلوا هو أقرب للتقوى ) ، أنا كنت في ألمانيا فسألني أحدهم سؤالين ، وطبعاً أنا جرحت بالسؤالين ، لكن أنا دائماً آخذ الأسئلة مهما كانت جارحة ، بروح رياضية ، لأنني أريد أن أكون قريباً منهم ، وأعلم أن معاناتهم الشديدة هي التي دفعتهم إلى هذه التساؤلات ، يقول السائل : ألا ترى معي أنهم أدخلونا في الإسلام بقوة السيف ؟ قلت له : نعم إن جنود الدولة الإسلامية جاءوا إلى بلاد كوردستان وقالوا لهم إما أن تدخلوا في الإسلام وإما أن نقتلكم ، قال إذا ألا ترى معي أن علينا أن نعود إلى دين أجدادنا دين زرادشت ؟ قلت له : يا أخي إن المسلمين يجب أن يغيروا آليتهم ، وثقافتهم التي عاشوها قبل خمسين سنة ، ويجب أن يعيشوا عقلية القرن الحادي والعشرين ، لذلك لا أرضى أنا وأنت أن نعيش عقلية وثقافة وأخلاقيات آبائنا الذين ماتوا حتى من عشر سنوات وعشرين سنة ، ولا تنهض هذه الأمة إلا إذا طورنا ثقافاتنا ، فكيف ترضى لي أن أعيش عقلية ما قبل 2000 سنة ، بديانة زرادشت ، وعادات زرادشت ، وأخلاقيات زرادشت ، وسلوكيات زرادشت ، طبعا أنا أقدر كل الديانات ، وأقدر كل الشعوب ، وأعطي الحق لكل شخص أن يعتنق الديانة التي يريدها ، وهو يدفع ضريبة هذا الاختيار ، لكن أنا أيضا أعطي الحق لنفسي أن أكون حراً  في اختيار الدين الذي أريده ، ولا يمكن لأي كوردي بناء على ردة فعل على تصرفات المسلمين أن يعيدني أنا وأمتي إلى ثقافة ما قبل 1500 سنة ، بعد أن لا أرضى بثقافة ما قبل 100 سنة ، نحن نسعى إلى البناء ، والى التجدد ، والى التقدم ، والحداثة ، وهو يريد أن يعيدنا إلى ما قبل 2000سنة .

السؤال الثاني : ألا ترى أن الكثير من الأفعال القذرة ترتكب في بلادنا ضد الكورد ؟ ، قلت له مثل ماذا ،  قال لي إنهم يأخذون أبنائنا وأطفالنا إلى المساجد يعلمونهم القرآن ، طبعاً هذه مشكلة بمجرد أن يصل الكوردي إلى هذه المرحلة هذا أولاً ،  وثانيا :هناك خلل في تركيبته أيضا فحتى لو مورس معه ظلم وعدوان فما علاقة الإسلام بما يمارسه المسلمون ؟ إن الله والإسلام والنبي والقرآن كل أولئك بريء ممن يضطهد نملة ، لا بشراً ،  بل فقط نملة يقول القرآن عن سليمان يوم دخل مملكة النمل : (  قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون ) إذا سليمان بمعنى القائد المسلم وجنوده المسلمون يتمثلون قيم الإسلام ، ومن يجسد رسالة الإسلام لا يدوس على نملة ،وهو يشعر ، لكن النملة تنصح أخواتها :ادخلوا مساكنكم لعلهم لا يدرون ، فيدوسونكم وهم لا يشعرون ، إذا وهم يشعرون لا يدوسونكم ، فكيف احمل جريرة تصرفات المسلمين الظالمين القتلة ، الذين سفكوا الدماء ، واضطهدوا الشعوب ، وغسلوا أدمغتهم ، وقضوا على ثقافاتهم ، وتراثهم ، ولغاتهم ، وحتى حاولوا أن يزيلوهم من الوجود ، كيف أُحمل هذه التصرفات على كاهل رجل يقول { الناس سواسية كأسنان المشط } ، أو على دين يقول : { لا فضل لعربي على أعجمي ، ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى } ، أو على رسول يقول { أنا سابق العرب ، وسلمان سابق فارس ، وبلال سابق الحبشة ، وصهيب سابق الروم } ،  أو على دين لا يحاول أن يذيب ثقافة في ثقافة ، أو أمة في أمة ، وإنما يعطي الحقوق لكل الناس ولكل الشعوب يقول كتابه : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ، إنه لم يقل إن أكرمكم عند الله أقربكم من رسولي نسباً ، بل قال إن أكرمكم عند الله اتقاكم ، وهذا ما أكده رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال :{ الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله انفعهم لعياله }.

إن كلمتي للكوردي هي : لا تحقق مآرب خصومك وأعدائك فيك ، فتتجاوز حدود العقل والمنطق في الحكم على الأديان والأجيال .

في الختام نشكر فضيلة الدكتور محمد معشوق ودمتم ذخرا للشعب الكوردي .