في ذكراه الـ 12.. من الذي اغتال الشيخ معشوق؟.. الدكتور “محمد حبش” يتحدّث لـ آدار برس

 

آدار برس- خاص – 05 يونيو – 2017

 

جمعتهما صداقةٌ قوية؛ صداقةٌ صقّلتها الرسالة نفسها والهدف نفسه. عاشا ظروفاً متشابهة في مقاومة الجهل والتخلف والوهم، وتجرّعا معاً من كأس المعاناة التي لا خلاص منها ما دمتَ تسعى إلى الحقِّ ونشره بنقاءٍ في زمن التكفير المجاني. عملا معاً على إعلاء راية العقل في الدين الإسلامي، في جغرافيةٍ قلّما يعترف فيها النقلُ بالعقل، وقلّما يُنظر فيها إلى الإنسان ككائنٍ حرٍّ ذو إرادةٍ وكرامة.. فكانت الضريبة باهظة.

 

الدكتور والمفكّر الإسلامي “محمد حبش” يتحدّث لـ «آدار برس» عن صداقته وتجربته مع الشهيد الشيخ “محمد معشوق الخزنوي”، ويكشف معلوماتٍ عن الإساءات التي تعرّض لها من بعض رجال الدين، إلى جانبٍ معلوماتٍ عن اغتياله.

 

الدكتور “محمد حبش”.. أنت كمستشارٍ في مركز الدراسات الإسلامية في سوريا، عايشتَ الشيخ “محمد معشوق الخزنوي” عن قرب.. هلّا تحدثت لنا قليلاً عن شخصيته الدينية والقومية؟

 

الشيخ معشوق رحمه الله رجل حمل همّ أمته، ودافع عن الناس، وحمل رؤية تجديدية فريدة في الدين والحياة.

 

كانت صداقتنا في العمل الإسلامي قائمة على مشاركة المعاناة، فقد كنّا واجهنا معاً ظروفاً متشابهة في مقاومة التخلف، وصدر بحقه وبحقي سلسلة من فتاوى التكفير التي أطلقها كهنة غاضبون يرفضون رسالة العقل في الدين ويصرّون على استعباد الجماهير وقيادتهم بأسلوب القطيع، باستخدام تمائم وعمائم، وهذا ما كنا نرفضه، ودفعنا في سبيل ذلك باهظ الثمن.

 

الدين الحق لا يمكن أن يكون صامتاً عندما يتم استحمار الناس وابتزاز أموالهم باسم الدين، وإقامة أصنام من الوهم وإجبار الناس على الخضوع لها.

 

لقد رفض معشوق ذلك كله، وأعلن موقفه في إخاء الأديان وكرامة الإنسان، وإن أي قيم دينية لا تحترم سعي الإنسان ولا تعلي كرامته، فهي مؤامرة على الأديان وإهانة للإنسان.

 

كما تعلمون، حادثة اغتيال الشيخ “معشوق” أثارت الكثير من الجدل، وقد وجّهت أصابع الاتهام إلى النظام السوري.. هل يمكن أن تفيدنا بما تعرفه عن عملية الاغتيال التي حدثت؟

 

تعرض الشيخ معشوق لسلسة من الإساءات من قبل رجال دين معروفون وموصوفون، وكان منهم خمسة أشخاص جاؤوا إلى مكتبي ويطلبون مباشرة التخلي عن معشوق بدعوى إنه كافر ومرتد!!. لقد استغربت قدومهم، ورددتهم بقسوة، وقلت لهم أن ما تسعون إليه من تكفير معشوق ما هو إلا إساءة لجوهر الدين القائم على احترام العقل ورفض لغة القطيع.

 

للأسف بعد أسابيع قليلة، تم اختفاء الشيخ معشوق، وقمنا على الفور بالتواصل مع أبناءه الكرام والمتابعة مع الشرطة المحلية.

 

حين كشف عن جثة الشيخ معشوق، وقدّم التلفزيون السوري عدداً من الأشخاص على أنهم القتلة. للأسف رأيت منهم اثنين من الذين زاروني في مكتبي في سياق حربهم على معشوق. ولدي قناعة بأنهما شركاء في قتل الشيخ معشوق، وأعتقد أنهما كانا لا يزالان في السجن حين خرجنا من سوريا.

 

إن إقدام الأشرار على قتل إمام كبير كمعشوق يشبه ما لقيه المجددون في التاريخ الإسلامي. ولكن من المؤكد أن القيام بهذه الجريمة ما كان ليتم لولا تحريض ودعم من بعض النافذين في النظام. لا أستطيع اتهام شخص بعينه، ولكن النظام كان غاضباً أشدّ الغضب على معشوق بسبب خطابه الناري في رثاء الشهيد “فرهاد” الذي توفي تحت التعذيب، حيث اعتقله النظام بعد أحداث القامشلي 2004.

 

ماذا تريد أن تقول في ذكرى استشهاده؟

 

معشوق رسالة لا تنتهي وشمعة لا تنطفئ، ورسالته مستمرة في ضمير أبنائه وإخوانه من عشاق الحرية لشعب كردستان.

 

وهذه بعض كلمات في الوفاء للشيخ معشوق: نعيش ذكراك، نرقب روحك العالية في المجد وأنت ترقى بها في الملأ الأعلى، حيث تخلد رسالتك في ضمائر الأحرار في الأرض، يرشفون بها نداءك الأسمى من عالم الملكوت.

 

لماذا أيها الفينيق الخالد، لماذا يرسم القدر سطوته بهذه المرارة؟ أما أنت فقد أدّيت رسالتك، ولكن ألم يكن في وسع هذا الدهر اللئيم أن يمنح أحبابك مزيداً من فكرك ورسالتك.

 

إنهم، أيها الشاهين العالي، يقرؤون رسالتك في كل مكان، فأنت لم تكن محض رجل محراب على أنه كان يشقق تحناناً لرهبة سجودك، ولم تكن محض مناضل سياسي على أن رسالتك ضربت جذرها في ضمائر شعبك، ولم تكن محض مفكّر ثائر على أن كلماتك لتمزق صحائف الأسفار، ولم تكن محض مصلح اجتماعي على أن ذوي الحاجات يلوذون ببابك المتواضع. لقد كنت ذلك كله، وأكثر من ذلك.

 

من حق أهلك في وطنك الحلم أن يقرؤوك ثائراً كردياً يؤذن في مسمع العالم بمظالم شعبه، ويسمعه الناس كما لم يسمعوا أحداً من قبل في صيحة الحق والعدل، ومن حقهم أن يجعلوا يومك مناراً وذخراً، وأن يرسموا ملامح عمامتك الشامخة على قوس كردستان حيث جراح فرهاد لا تزال ترتوي بها روحك الطهور وتروي ذكراها.

 

ممكن غنى أبرويز يشرى وجراح فرهاد هيهات تشرى

 

والذي يجعل القلندر حراً أنه لا يطيق للسر نشراً

 

ولكننا في كفاح التجديد نقرؤك من أفق آخر، نقرؤك ثائراً متمرداً على الأساطير العتيقة التي يتاجر بها كهنة المعبد باسم الرب، نقرؤك ثائراً متمرداً على الفريسيين والكتبة، تقلب عليهم موائد القمار الديني والأوهام المتلظية لكل صاحب فكر حر.

 

آه للدهر أيها الجبار، لقد دفعت حياتك ثمناً لرسالتك الجريئة والشجاعة، وتمكنت من رفع الصوت عالياً، في حين جبن الآخرون عن اللحاق بركبك، ومن يستطيع أن يدركك على مراكب الشهادة إلا من باع حياته وروحه ثمناً للمبادئ الكبيرة.

 

وما قتلوك وما صلبوك ولكن شبّه لهم، وإن رسالتك أيها الجبار أقوى من قبورهم وجحورهم ومدافنهم، غداً سيركل الدهر ما ركموه، وستبقى رسالتك في ضمائر محبيك وعداً في الغد الآتي، يبشر سائر الليل بشمس الحرية الآتية، وكل آت قريب.

 

أيها الجبار، حكايتك لن تمحوها الأيام، وستظل ذكراك تبعث في الأحرار روح المقاومة والرسالة وتطارد الأشرار في أوكارهم وتسمعهم الكلمة القاصمة إن العاقبة للمتقين.

 

لن أنسى وقفتك في مؤتمر عمان حين أرادوا أن تعود محاكم التفتيش من جديد لتحاسب كل قلم حر، يومها طالبت بشجاعة بمنح المفكرين الحصانة والحماية في وجه محاكم التفتيش الأثيمة، وكانت عمامتك يومذاك صادمة لكل تجار الدين من أهل الهوى، الذين طال عناؤهم ولم يفهموا في أي أفق كانت عمامتك الشامخة تغرد ومن أجل أي رسالة كبيرة وشريفة كنت تعمل في الأرض.

 

لقد فرضت على الأرض احترام العمامة وقدمت أكبر دليل على أن التنوير والتجديد الحق هو ذلك القادم من ضياء العمائم ونور المحراب. لا يوجد شيء في العالم يمكنه أن يمحو ذكراك من قلوب محبيك، أو أن يخفف من وقع ثورتك في ضمير القلوب الظامئة للحرية وفق عدالة الرسالة الخاتمة التي كنت تنادي بها كل يوم: أيها الناس كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى.

 

ثمة كلام كثير أيها الجبار لم نقله بعد، ولكنها الأيام سجلّ ناطق، ودرب الحرية أيها العزيز مفروش بدماء الشهداء وللحرية الحمراء باب يدق بالأيدي المضرجة.

 

ماذا أملك أيها العزيز أن أقول في ذكراك، وهل ثمة كلمات يمكن أن تضيف إلى قسماتك الصارمة شيئاً؟ وفيها يقرأ جيل الحرية الآتي اليوم كل مجد الآباء.

 

أيها العزيز، أين تقرأ اليوم مزاميرك؟ فقد جفّت الأوتار وظمئت الأرض، وأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين.

 

وما الدهر إلا هكذا فاصطبر له .. رزية مال أو فراق حبيب.

 

حوار: سلام أحمد

 

تحرير: ع. أحمد