أصناف الناس في رمضان – خطبة جمعة لشيخ الشهداء الدكتور معشوق الخزنوي

أصناف الناس في رمضان

خطبة جمعة لشيخ الشهداء الدكتور معشوق الخزنوي

في مجمع البر الاسلامي بحلكو ( جامع الشيخ معشوق )  – قامشلو – الجمعة الاولى من رمضان – 2002

تفريغ : عبد الرحمن احمد – مراجعة مركز احياء السنة ( مكتب الشهيد الخزنوي )

 

حياكم الله ايها السادة في لقاء جديد مع ضيف عظيم ، ولذا عندما دخلنا في هذا الشهر الكريم فإنما دخلنا في مقام رفيع عند الله ، وفي منزلة سامية عند الباري تبارك وتعالى ، تعرضنا هذه المنزلة للنفحات الإلهية ، والتجليات الأقدسية ، والعطاء الرباني ، الذي خُصت به الأمة المحمدية من بين سائر الأمم ، ولذلك ورد في اثر في سنده ضعف كما حققه الشيخ الألباني لكن لبعض عناصره شواهد اخرى صحيحة عن جابر بن عبدالله ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :{ أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسا لم يعطهن نبي قبلي أما واحدة ، فإنه إذا كان أول ليلة من شهر رمضان ينظر الله عز وجل إليهم، ومن نظر الله إليه لم يعذبه أبدا ، وأما الثانية : فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك ، وأما الثالثة : فإن الملائكة تستغفر لهم في كل يوم وليلة ، وأما الرابعة : فإن الله عز وجل يأمر جنته فيقول لها: استعدي وتزيني لعبادي، أوشك أن يستريحوا من تعب الدنيا إلى داري وكرامتي ، وأما الخامسة :  فإنه إذا كان آخر ليلة غفر الله لهم جميعا فقال رجل من القوم: أهي ليلة القدر ؟ فقال: لا، ألم تر إلى العمال يعملون، فإذا فرغوا من أعمالهم وفوا أجورهم ، وفي لفظ ((تستغفر لهم الحيتان )) .

 

أصبحت ضيف الله في دار الرضا       وعلى الكريم ضيافة الرحمن

 

تعفو الملوك عن النزيل بساحتهم         كيف النزول بساحة الرحمن

 

أيها الإخوة : مع أول جمعة في رمضان ، ومع أول لقاء لنا في هذا الشهر الفضيل أريد أن الفت انظاركم الى علاقتنا برمضان وصحبتنا له ، فالناس في شهر رمضان ينقسمون الى اقسام متنوعة والى مذاهب شتى والى طرائق قدداً ، فمن الناس من لا يرى في هذا الشهر العظيم اكثر من حرمان لا مبرر له واكثر من تقليد ديني لا فائدة منه ولايتمشى مع تطورات العصر ولا مع معطيات الحضارة ، وهذا القسم من الناس عازم على الافطار مستهزئ بالصائمين ساخر بعقولهم والعياذ بالله .

 

وقسم آخر من الناس لا  يرى في هذا الشهر إلا جوعاً لا تتحمله المعدة وعطشاً لا تقوى عليه مجاري العروق ، وهذا القسم الأخر مفطراً أيضاً وربما مجاهر بإفطاره امام من يعرفه ومن لا يعرفه .

 

وقسم ثالث يرى هذا الشهر العظيم موسماً للموائد الزاخرة والأطعمة الفاخرة وفرصة جميلة للسهر والسمر واللهو واللعب الى بزوغ الفجر ثم النوم العميق الى غروب الشمس ، اللهو واللعب والسمر والسهر الى بزوغ الفجر ثم النوم العميق الى غروب الشمس فإن كان ذا عمل بَرِمَ بعمله ، وإن كان ذا معاملة ساءت معاملته وساء خلقه .

 

أما القسم الرابع فهو الذي يرى في هذا الشهر العظيم شيئاً غير هذا كله وأجل من هذا كله ، يرى هذا الشهر العظيم دورة تدريبية لتجديد معان في النفوس من الايثار الرفيع ومن الخلق النبيل ومن الصبر الجميل ومن الطاعة لله ومن الاكثار من الخيرات والمبرات وهؤلاء هم القلة القليلة في المجتمع وقليل ما هم ، وقليل من عبادي الشكور .

 

أما القسم الأول الذي لا يرى في شهر رمضان اكثر من حرمان لا مبرر له واكثر من تقليد ديني لا فائدة منه ولا يتمشى مع تطور العصر ولا مع معطيات الحضارة فإننا نحيل هؤلاء الى اطباء الاجسام والنفوس ليحدثوهم عما اكتشفه العلم الحديث من فوائد  للصيام لا توجد في شيئ آخر ، لأن الأصل في الأمراض هي المعدة ، أصل الأمراض يرجع كله الى المعدة ، فإذا صامت المعدة وخلت من الطعام ضعف المرض فيها ، وذهب السقم عنها ، كما قال طبيب العرب الحارث بن كندة { المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء } وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم الى اصلاحها وتعهدها فقد روى أحمد والترمذي عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه قال  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطنه بحسب ابن ادم أكلات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه } ، فصوموا تصحوا ، الصيام يدفع الإمراض عن الجسم ، ويدفع الاسقام عن الجسم ، فهو يريح المعدة شهراً كاملاً ويريح الكليتين ، ويخفف العبء عن الدورة الدموية ، ويركز الغذاء في الجسم ، هذا عدا عن فوائد خُلقية ونفسية وروحية لا تعد ولا تحصى ، لأن العلاقة بين الجسم والنفس قوية ، وبين الخَلق والخُلق شديدة ، وبين البدن والروح حميمة ، فإذا صام الجسم قوت في النفس أموروضعفت أمور ، قوي في النفس الإخلاص لله ، والصبر والإرادة ، والطاعة لله عزوجل ، والمساواة بين الناس جميعاً ، يقزي في النفس الإخلاص لله لأن الصيام سر بين العبد وربه ، الصلاة أمرها  ظاهر ، والحج أمرها ظاهر ، وبقية الفرائض والواجبات أمرها ظاهر ، يدخلها الرياء والسمعة ، أما الصيام فهو سر بين العبد وبين ربه ، لا رقيب على الصائم من خلق الله إلا ضميره ، ولذلك قال الله عز وجل في الحديث القدسي { كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا اجزي به } رواه البخاري ، كما ويقوي الصيام في النفس الإرادة والصبر ، كما ويقوي الصوم في النفس الطاعة لله عز وجل لأن الصائم حينما يتعفف عن الحلال طاعة لله عز وجل فسوف يتعفف من باب أولى عن الحرام طاعة لله ، إنه إذ يتعفف عن الأطعمة والأشربة المحللة له وعن الشهوة المباحة له طاعة لله عز وجل ، فهو من باب أولى أنه سيتعفف عن الأطعمة المحرمة ، وعن مال غيره ، وعن شهوة غيره ، وعن الشراب المسكر المذهب للعقل المخل بالشرف ، كما ويقوي الصوم الشعور المشترك بين الناس جميعاً إلا وهو المساواة حينما يذوق الغني والفقير آلام الجوع معاً ، يمد الغني يده الى جيبه ليفرغها في فم الفقير ، لا يند الغني يد المساعدة الى الفقير إلا حينما يشعر بقوارص الجوع ، ولذلك قيل لسيدنا يوسف عليه السلام وكان يكثر الصيام والجوع ويأكل الحَشَبَ من الطعام والخَشِن منه قيل له ، يا نبي الله لم هذا الفعل منك وقد جعلك الله على حزائن الأرض ، فكان نبي الله يوسف يقول : إنني أخشى أن أشبع فأنسى الجياع ، هذه هي الأمور التي يقويها الصيام في النفس ، يقوي فيها الصبر والإرادة ، ويقوي فيها الطاعة لله والاخلاص لله ، ويقوي فيها الشعور المشترك بين الناس جميعاً إلا وهو المساواة ، هذا ما يقويه الصيام في النفس ، فماذا يضعفه الصيام في النفس ، الصيام يضعف في النفس ويزيل عنها البطر ، ويكسر من حدة الإسراف ، ومن حدة شهوة المعاصي ، لأن المادة الأساسية للقوى والشهوات والمعاصي والغفلة عن الله وطغيان المادة ، المادة الأساسية التي تمدها بالقوة وتمدها بالطاقة ، هي الأطعمة والأشربة ، فإذا قللت الأطعمة والأشربة ضعفت حدة الإسراف ، وزال عن النفس البطر ، وكسرت حدة الشهوة ، وزالت الغفلة عن الله ، فالجوع بحر تسبح فيه الملائكة والشبع بحر تسبح فيه الشياطين ، ولذلك يقول النبي صلى اله عليه وسلم { ان الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم فى العروق فضيقوا عليه بالصوم } ، الشيطان يجري من ابن آدم ليميز الله الخبيث من الطيب ، وليعلم الله الذين صدقوا ويعلم الكاذبين ، ان الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم فى العروق فضيقوا عليه بالصوم ، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين من حديث عبدالله ابن مسعود للذين لا يستطيعون الزواج والنكاح { يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء } أي حماية ووقاية ، هذه هي الأمور التي يضعفها الصيام في النفس ، وتلك أمور يقويها الصيام في النفس ، يقوي الإخلاص والطاعة والصبر والإرادة والمساواة ، ويضعف فيها البطر والإسراف وكسر حدة الجوع وشهوة المعاصي والغفلة عن الله وطغيان المادة ، هذا الكلام أوجهه الى الذين لا يرون في شهر رمضان اكثر من حرمان لا فائدة منه ، واكثر من تقليد ديني لا مبرر له ولا يتمشى مع تطورات العصر ، ولا مع معطيات الحضارة ، أوجه لهم هذه التنبيهات ، إن رمضان يقوي الجسم والنفس والعقل ، ويبعد عنها كل رذيلة وكل ما يشينها ويعيبها .

 

واما الذين انهزمت إرادتهم امام جوع رمضان وامام جوع الصيام وشدته فلم يروا شهر رمضان إلا جوعاً لا تتحمله المعدة وعطشاً لا تقوى عليه مجاري العروق فإنني أذكر هؤلاء أننا في قلب المعركة ، معركة الوجود أو اللا وجود ، وليس الصيام إلا صبر ساعات على أقل مظاهر الحرمان في هذه الحياة آلا وهو الطعام والشراب فمن انهزم امام نفسه فسوف ينهزم امام عدوه ، نحن نعيش في قلب المعركة ، وتداعت علينا الأمم كما تداعى الاكلة الى قصعتهم ، أصبح مصيرنا بيد غيرنا لا بأيدينا ، اصبحنا كرة تلعب بها أقدام اللاعبيين ، وليس الصيام إلا صبر ساعات فمن انهزم امام الجوع امام الصبر على الجوع على الطعام والشراب فسينهزم امام الاعداء بلا شك وبلا ريب ، ولذلك فإن المفطرين هم الساقطون في امتحان الرجولة ، وهم اسباب الهزيمة في المعركة الحقيقية مع الاعداء ، إن اصحاب رسول الله جعلوا من شهر رمضان وجعلوا من الصيام ومن الجوع قوة لهم على اعدائهم ، بعد اعتمادهم الكلي على الله جل وعلا ، به ينتصرون وبه ينتقلون من انتصار الى انتصار ، وما كانت الفتوحات والغزوات الفاصلة إلا في شهر رمضان ، غزوة بدر كانت في رمضان ، فتح مكة كانت في رمضان ، القادسية كانت في رمضان ، وغيرهم وغيرهم .

 

وأما القسم الثالث الذين يجدون في شهر رمضان موسماً للاطعمة ، يصومون ولكنهم يجدون شهر رمضان موسما الاطعمة الفاخرة والموائد الزاخرة وفرصة جميلة للسهر والسمر واللعب الى بزوغ الفجر ، يقضونها في الغيبة والنميمة والبهتان والمحرمات ، ثم النوم العميق الى غروب الشمس اقول لهؤلاء رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ورب قائم ليس له من قيامه الا السهر والتعب ، ورسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم يقول : { من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه } ، أبن آدم خلقت لك كل شيئ فلا تتعب وخلقتك من اجلي فلا تلعب فبحقي عليك لا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له ،  وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون .

 

ليالي رمضان تقضى في الفراغ واللعب والسهر ورسول الله ينادي عليكم بقوله { اغتنم خمسا قبل خمس شبابا قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك } ، هذا شهر العبادة أيها الإخوة لا شهر الطاولة ، هذا شهر الصيام والقيام لا شهر الأجهزة والافلام ، هذا شهر لرياضة النفس لا لرياضة كرة القدم .

 

وأما القسم الرابع الذين يجدون رمضان موسم الطاعة لله فهؤلاء نرجو جميعا أن نكون منهم ومن عدادهم وأن يحشرنا الله في زمرتهم تحت لواء سيد الانبياء والمرسلين عليه الصلاة والسلام .

 

اللهم سلمنا لرمضان ، وسلم رمضان لنا ، وتسلمه منا وتقبله منا كما تقبلته وتسلمته من الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم .

 

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولجميع المؤمنين

شاهد أيضاً

عليكو معاتبا وهو عتاب محق

الدكتور مرشد معشوق الخزنوي 17.06.2021 يكتب الأستاذ فؤاد عليكو خلال هذه الأيام سلسلة من المقالات …

المرصد السوري : في الذكرى الـ 16 لاغتيال الشيخ محمد معشوق الخزنوي.. نجله الشيخ مرشد للمرصد السوري: المجرم ماهر الأسد شقيق الطاغية بشار هو من أمر وأشرف على اعتقال واستشهاد الوالد

يطلق عليه “أيقونة الانتفاضة الكردية”، تلك الانتفاضة التي كلفت الأكراد في الحسكة عشرات الضحايا والجرحى …