رسالة الخزنوي لنا في حاضرنا : النظرة الوسطية

الدكتور مرشد معشوق الخزنوي

 

نتابع في ظلال ذكرى استشهاد شيخ الشهداء معشوق الخزنوي نستذكر فكره ونصائحه ، ونستنير بهديه، فبعد أن تحدثنا في مقالتين سابقتين تحت عنوان ” لما معشوق الخزنوي ” و ” الله ومعشوق الخزنوي ” نستكمل  في هذه السلسلة تحت عنوان “رسالة معشوق الخزنوي لنا في حاضرنا” ، تلك الامراض التي أشار اليها شيخ الشهداء في مجتمعنا ، محاولا تسليط الضوء باستفاضة على تلك الاشارة التي أشار اليه شيخ الشهداء ، مستفيدين من توجيهه ونصحه التي من الضرورة أن نتناصح بها ، والتي استفتح بها هذه السلسلة من خلال اجابته في معرض سؤال في حوار عن مكامن النقص والخلل في المجتمع الاسلامي عامة والكردي خاصة أجاب شيخ الشهداء : أن المسلمون عامة والكورد خاصة مصابون بخلل في التفكير ، فقدنا النظرة الوسطية والموضوعية وبتنا بين الغلو والإفراط ، ارحنا عقولنا أمام هزائمنا وأخطائنا بعدم خلو امة من الخطأ ، وحملّنَا وزرها للساسة والعلماء ، تحرجنا من النقد والنصح ، ضخمنا اجازتنا ، وحجبنا الحقيقة عن امتنا .

 فقدان النظرة الوسطية والموضوعية وبتنا بين الغلو والإفراط: وهو اولى الحلقات في هذه السلسلة ، فعندما يصف شيخ الشهداء المرض الأول بأننا فقدنا النظرة الوسطية والموضوعية وبتنا بين الغلو والإفراط ، فإن كثيراً منا مسلمين وكرد لا يعرفون التوسط والقسط في الأمور، فقد عندهم أنصاف الحلول -كما يقال- تمكتنا نظرة إما أبيض وإما أسود، إما صح وإما خطأ، فإذا أعجبوا بشيء أعطوه (100%)، وإذا عزفوا عنه أعطوه صفراً ، تملكتنا مقولة الشاعر العربي :

وعين الرضا عن كل عين كليلة    وعين السخط تبدي المساوئ

وهو المبدأ الجورجي نسبة الى جورج بوش الابن حيث استخدم هذا المبدأ إثر اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر) ضد بلاده، وقف في الكونغرس يلقي خطابه التاريخي لحشد تأييد شعبه حوله، يجهزهم للمضي خلفه لينتقم من أسامة بن لادن أو الإسلام السياسي، إذ قال يخاطب العالم «إما أن تكونوا معنا أو أنتم مع الإرهابيين».

 

وتطبيقاً لهذا المبدأ المسيطر علينا يضرب شيخ الشهداء مثالاً صارخاً في مقدمة كتابه “ ومضات في ظلال التوحيد” حيث يقول: تجد من يقول عن شيخه أنه شيخ الشيوخ، وقطب الزمان، ونور السموات والأراضين، والمتصرف في الكون على الاطلاق ، بينما يزندقه آخرون .

وهذا ينطبق على كل شيء من حولنا ، لو أن واحداً أعجب بحركة سياسية ، بحزب ما وصفه بأفضل الاوصاف وأحسنها وأجملها ، وأنه الوحيد حامي الحمى ، ومن به الخلاص ، بينما تجد من يبغض تلك الحركة فيصفها بأقذر الأوصاف وأشنعها ، وانها متحاملة على الشعب ، وخائنة ، وتريد تدجيين الشعب لصالح الاعداء .

يا ابيض يا اسود .

لو أن احداً قرأ كتاباً فأعجبه هذا الكتاب، صار يتكلم عنه في كل مجال وفي كل ميدان، ويقول: هذا الكتاب الذي ما أُلّف قبله ولا بعده مثله، ، هذا الكتاب الفتح المبين والدواء الناجح ، هذا الذي يجب أن لا يخلو منه بيت ، ثم تأتي لآخر فيقول: هذا الكتاب لا قيمة له ، ولا يستحق أن يُشترى ولو بفلسٍ واحد، هذا الكتاب لا يساوي ثمن الحبر الذي كتب فيه، ولا قيمة الطباعة، ولا قيمة الورق ، ثم يهون من شأن هذا الكتاب، حتى يُنفِّر الناس عنه!.

 

هذا هو الذي يريد شيخ الشهداء أن يلفت أنظارنا اليه ، بأننا فقد النظرة والحكم الوسطي والموضوعي ، لأن نقول: هذا الكتاب جيد ومفيد، وفيه جوانب طيبة، وهي كذا وكذا وبالمقابل فيه جوانب سلبية وهي كذا وكذا ويمكن لأحدنا أن يقرأ الكتاب، فيستفيد من الجوانب الإيجابية ويحذر الجوانب السلبية.

هذا الأمر قليل عندنا، بل الكثير إما أن يثني فيبالغ، أو أن يحطم هذا الجهد فيبالغ.

وهذا الكلام الذي أقوله في كتاب يمكن أن تقوله في شخص، في حزب ، في تنسيقية ، في حركة ، في نشاط ، في جماعة ، او حتى في عرق وقومية .

شيخ الشهداء يريد منا أن نكون منصفين ، ولا نبالغ في الاشياء ، وأن الله خلق مجموعة الوان متعددة عليك استعمالها ، وليس فقط الاسود والأبيض ، وما أحوجنا الى استعمال بقيت ما خلق الله من الالوان ، وما احوجنا إلى النظرة المعتدلة ، ، التي أمر الله تعالى بها عندما قال :{ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا } [المائدة:8 ] ، وتطبيقاً لهذه العدالة في النظر الى الأمور نجد القرآن الكريم عندما يتحدث عن الخمر التي هي اهم الخبائث لم ينفي عنها المنفعة للناس فقال: { يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا } [البقرة:219] ، حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما ذكر النجاشي أصحمة بن أبجر ملك الحبشة لأصحابه ، مشجعاً لهم على الهجرة إليه ، وهو ملك نصراني وغير مسلم آنذاك، قال: {اذهبوا إلى الحبشة فإن فيها ملكاً لا يظلم عنده أحد} فلم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من كون هذا الملك ملك الحبشة غير مسلم آنذاك، وأسلم فيما بعد، أن يذكر أن هذا الرجل وما عنده من عدل وإنصاف، وحماية المظلومين، ولا يسمح بإيصال الظلم إليهم ، هذا هو الشرع والعقل والواجب ، وهذا ما نفتقده .

 

مشكلتنا التي يشير إليها شيخ الشهداء معشوق الخزنوي أننا إذا أقبلنا على شيء أقبلنا عليه بكليتنا، وإذا أعرضنا عنه أعرضنا عنه بكليتنا، فتعاملنا مع الأشياء نستطيع أن نصفه -في بعض الأحيان- بأنه تعامل عاطفي، ليس تعاملاً بالشرع وبالعقل، وبالحكمة، بل هو تعامل بالعاطفة، وحتى من الناحية العاطفية هو تعامل غير سليم، فأنت تجد -مثلاً- الإنسان الذي يبالغ في الحب، غالباً ما ينتقض الأمر إلى أن يبالغ في البغض، وفي الأثر الذي يرويه الترمذي، أنه علياً رضي الله عنه كان يقول: { أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ما }  .

 

لذلك كانت نصيحة شيخ الشهداء لنا في حياتنا العملية السياسية والاجتماعية عدم الاستعجال في اصدار الاحكام ، والتروي وضرورة فهم القضايا قبل وصفها بالإيمان أو الكفر ، بالوطنية أو الخيانة والعمالة ، وينطلق شيخ الشهداء في ذلك من خلال قاعدة فقهية مهمة ، بل تعد من أهم القواعد الفقهية ، وهي قاعدة جليلة مشهورة بين العلماء على اختلاف مذاهبهم والتي تقول : الحكم على الشيء فرع عن تصوره .

وهي مستمدة من قول الله تعالى في قصة موسى والخضر : ﴿ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ﴾ [الكهف: 68]: وهنا الأمر بالتأنِّي والتثبُّت، وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء، حتى يعرفَ ما يُراد منه، وما هو المقصود”.

 

وأوصى يحيى بن خالد – وهو البرمكي وزير هارون الرشيد – ابنَه جعفرًا فقال: “لا تُردَّ على أحد جوابًا حتى تفهم كلامه، فإن ذلك يصرفُك عن جواب كلامه إلى غيره، ويؤكد الجهلَ عليك، ولكن افهم عنه، فإذا فهمتَه فأجِبْه، ولا تعجَلْ بالجواب قبل الاستفهام، ولا تستحِ أن تستفهمَ إذا لم تفهم؛ فإن الجواب قبل الفَهم حمقٌ”.

 

لكن نقيض القاعدة السابقة هو الصحيح في العوالم الاجتماعية ، والسياسية اليوم وهو الذي يحذرنا شيخ الشهداء منه ..

فالعقل الاجتماعي والسياسي والديني الذي يتفتق تبعا له الوعي الفردي في مجتمعنا وأي مجتمع يتكون من موروث “غير مكتسب” من العادات و الأحكام القيمية تجاه الجماعات الاجتماعية الأخرى ، أو الاحزاب السياسية المقابلة ، او الفرق والمذاهب الديني التي تخالفنا الرأي.

وفي مجتمعنا نجد التجليات الواضحة لذلك من خلال الأحكام المسبقة الزاخرة  عن “الآخر” ، هذه الأحكام التي يتربى عليها الطفل و يتمثل من خلالها هذا “الآخر” و ما ستكون عليه طبيعة التعامل معه في المستقبل، هذه الأحكام المسبقة التي ينتج عنها تصور تقزيمي و اختزالي “للآخر” .

هكذا نتعلم في طفولتنا الحكم على “الآخر” قبل أن نعرفه قبل حتى أن نراه.. و نتعلم الحكم على “ذواتنا” الفردية و الاجتماعية ، والسياسية ، والدينية قبل أن نعيها..

هكذا نكون” نحن” الأفضل دائما، الأصلح، الأجمل.. بينما يكونون “هم” على النقيض تماما..

 

إن هذه “التصورات” الاجتماعية هي “فرع” عن “حكمنا” على الجماعات الأخرى ، وهو الداء المستشري اليوم في مجتمعنا ، ومن خلالها اطلاقنا عليهم الفاظ ” الخيانة ” و ” العمالة ” و ” الجبن ” و” عدم الرجولة ” ” والكفر ” و ” المنكر ” ، وهذا الذي وقف شيخ الشهداء معشوق الخزنوي يحذرنا منه وينبه كثيرا إلى ضرورة أن نقف على مسافة متساوية من “ذاتنا” و من ” الآخر” حتى يمكننا تصور هذا الأخير في معزل عن الحكم المسبق عليه.. و انطلاقا من هذا التنبيه وحده يمكننا الحكم على الأمور بنظرة موضوعية وسطية بعيدة عن الإفراط والتفريط .

رحمك الله شيخنا معشوق الخزنوي وأعلى الله مقامك في الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، سلام عليك يوم ولدت ، وسلام عليك يوم استشهدت في سبيل ما تؤمن به ، وسلام عليك يوم تقف امام الرب القادر تقتص من ظالميك .