الله ومعشوق الخزنوي – بقلم الدكتور مرشد معشوق الخزنوي

الدكتور مرشد معشوق الخزنوي

تحدثنا في المقالة والفقرة السابقة تحت عنوان لما معشوق الخزنوي ، فمن بين الكثير من المشايخ والعلماء والملالي لا يحتفي الشعب الكردي بهم ، قلة من خلدوا في ذاكرة هذا الشعب المقاوم من قاضي محمد الى الشيخ سعيد الى البارزاني الى الخزنوي ، فلما معشوق الخزنوي ، وفي هذه الفقرة نستكمل الحديث تحت عنوان الله والخزنوي ، واقصد بذلك ما المقابل الذي سيحصل عليه الشيخ الشهيد من الله جراء مواقفه وفكره الذي سبق الإشارة إليه في المقالة والفقرة السابقة ، من خلال الصدوح بكلمة الحق والاستشهاد في سبيل ما آمن به ، إنها الرضى والمحبة والقبول في الارض والسماء ، فقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إذا أحب الله تعالى العبد، نادى جبريل، إن الله تعالى يحب فلاناً، فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي في أهل السماء : إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض ))

كل ذلك لأن شيخ الشهداء كان صداعاً بالحق في وجه الطغاة ، والظلمة ، والجبابرة ، وكلمة عدل في وجه الاستبداد الديني والسياسي ، فقد ورد في الحديث الذي يرويه الترمذي وابو داود وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول { إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر } .

 

ولأنه كان في جهاد كبير ، كان لابد من تضحيه ، ولا بد من أن يسترخص الغالي في سبيل كلمة العدل ، وقد روى الحاكم وصححه الألباني عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { سيد الشهداء اثنان حمزة بن عبدالمطلب ، ورجل قام الى امام ظلم فنصحه فقتله }، وهذا ما وقع لشيخ الشهداء ، حيث اختاره الله شهيداً ليحي به الحق ، فالشهيد كالشمعة التي تحترق وتضئ شموع البشرية على طريقها.. ولولا هذه الشموع لما استطاعت المسيرة البشرية أن تواصل طريقها، ولما استطاع أبناء البشر في ظلمات الاستعباد والاستبداد أن يمارسوا نشاطاتهم ويقدموا خدماتهم ، وهذا ما للخزنوي عند الله ، حيث اختار له الشهادة وليس الموت .

 

الفرق بين الموت والشهادة  :

هناك اختلاف كبير و فرق اساسي بين الموت و الشهادة ، فالموت هو نهاية طبيعية لحياة كل كائن حي ، الله تعالى يقول ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ ويقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم  ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ﴾ [الزمر : 30] وقال الله تعالى ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ [ سورة النساء الآية 78 ] ويقول الشاعر العربي كعب بن زهير في قصيدته البردة .

كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وإنْ طالَتْ سَلامَتُهُ               يَوْماً على آلَةٍ حَدْباءَ مَحْمولُ

فالموت حقيقة أن الحياة في هذه الأرض موقوتة ، محدودة بأجل ، ثم تأتي نهايتها حتما . .

يموت الصالحون ويموت الطالحون .

يموت المجاهدون ويموت القاعدون .

يموت المستعلون بالعقيدة ويموت المستذلون للعبيد .

يموت الشجعان الذين يأبون الضيم ، ويموت الجبناء الحريصون على الحياة بأي ثمن . .

يموت ذوو الاهتمامات الكبيرة والأهداف العالية ، ويموت التافهون الذين يعيشون فقط للمتاع الرخيص .

لكن الشهادة هي نعمة نادرة و شحيحة لا يمكن الحصول عليها إلا بفضل من الله عزوجل بعد بذل الثمن ، وهو أن يفنى الإنسان بالتضحية و الايثار بغض النظر عن المصالح الدنيوية من اجل الهدف الاسمي وهو رضى المعشوق ، الذي هو الله.

 

فثقافة الشهادة تتعارض بشكل واضح مع طلب المنفعة ، و الشهداء لا يستبدلون رضا المعشوق بالمنافع الدنيوية العابرة ، والشهادة اختيار وفضل من الله لا يناله كل من تمناه ، يقول الله تعالى: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء﴾ [ سورة آل عمران 140]وهذا ما اختاره الله لشيخ الشهداء معشوق الحزنوي .

 

وكفى الشهداء فضلاً أن نبينا صلى الله عليه وسلم  تمنى أن يكون شهيداً ، وأن يُقتل في سبيل الله مرات ومرات ،فقد روى البخاري ومسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ :((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَدِدْتُ أَنِّي أُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ)) ..

 

ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث المقدام بن معْدي كرب الذي اخرجه الترمذي وابن ماجه  أن النبي صلى الله عليه وسلم قال  قال : ” إن للشهيد عند الله سبع خصال : يُغفر له في أول دفعة ، ويُرى مقعده من الجنة ، ويجار من فتنة القبر ، ويأمن يوم الفزع الأكبر ، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها ، ويزوج ثنتين وسبعين زوجة من الحور العين ، ويشفع في سبعين من أقاربه “.

 

فهذا هو المقام الكبير الذي اختاره الله لشيخنا معشوق ، شهيداً حاضراً وليس غائب ، حياً عند الرب وليس بميت كما يفهم الكثيرون ، فقد قال ربنا ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾ [ سورة البقرة : الآية 154 ] .

 

وقال ربنا: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [ سورة آل عمران : الآيات 169 – 171 ] .

 

وهنا حق علينا ان نمجد شهدائنا الذين ضحوا بأغلى ما يملكون في سبيل الله ، وتحية الى الابطال في معتقلات الطغاة ، وشحنة لنا نحن الكورد لأننا على حق وهم على باطل ، ولأننا نجاهد ونقاتل من اجل الهدى ، وهم يجاهدون ويقاتلون من اجل الضلال.

 

نحن نجاهد في سبيل الله ، لاننا ندفع الظلم عنا ولا نرضى ان نستذل وذاك جهاد في سبيل الله  ، وهم يجاهدون في سبيل الطاغوت لأنهم يقدمون الظلم لغيرهم وذاك لأجل ارادة الطاغوت .

 

نحن نجاهد من أجل إعلاء كلمة الله ، لان كلمة الله هي الحرية والأمن والعيش الحر والمسؤولية لأنه خلقنا شعوبا وقبائل لنتعارف ، وهم يجاهدون من أجل إعلاء كلمة الطاغوت وهي قهر وتذليل البشرية وجعل الشعوب خدما وعبيدا .

 

نحن نجاهد ذوداً عن الحقوق والحرمات المغتصبة ، وهم يجاهدون اعتداء وسطواً على حقوق وحرمات الآخرين .

 

نحن نجاهد و الله مولانا وليس بينا وبين الله حجاب لأننا مظلومين ،  وأبواب الله مغلقة امامهم لأنهم ظالمون محتلون ، مع اننا وهم ندعو ربا واحدا كما فعلها مشركوا قريش يوم بدر عندما تعلقوا بأستار الكعبة يدعون الله اللهم انصر اهدى الفريقين  .

وحتى لا يكلف احد نفسه وقلمه ليذكرني بأن هؤلاء مسلمون وأحفاد الخلفاء المسلمين لقرون اذكره بما ورد في الصحيح ان النبي صلى الله عليه وسلم اراد ان يفقأ عين احد الاعراب وهو يختلس النظر الى حرمة بيت النبوة ، فكيف بمن انتهك حرمة بلاد وبشر بالملايين .

اذكره بما اخرجه الامام احمد وابو داود والنسائي والترمذي وصححه الألباني من حديث سعيد بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد “، وفي رواية “” من قتل دون مظلمته فهو شهيد “

 

رحمك الله شيخنا معشوق الخزنوي وأعلى الله مقامك في الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، سلام عليك يوم ولدت ، وسلام عليك يوم استشهدت في سبيل ما تؤمن به ، وسلام عليك يوم تقف امام الرب القادر تقتص من ظالميك .