ميلاد المصطفى ميلاد لنا – خطبة لشخ الشهداء الدكتور معشوق الخزنوي

الدكتور معشوق الخزنوي

خطبة في جامع أبي ذر الغفاري – ادلب – 1991

إذا كان للأمم على اختلاف ألوانها أعياد تحرص عليها وذكريات تعتز بها، فإن الذكرى الكبرى التي نعتز بها هو ميلاد سيد الانبياء وإمام الاتقياء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي طلع في افق الوجود بدره في وقت كان المجتمع البشري يعاني فيه دوراً من أدوار الوهن والانحلال ، يكاد لضعفه يشرف على الفناء .

فمن وهن في العقائد ، وفساد في العادات ، وافتتان في الملذات ، وإذلال للنفوس ، وقسوة على الضعفاء ، وسفك للدماء ، وتناحر وتقاتل ، في تلك الآونة شاءت إرادة الله أن تهيئ للإنسانية من يفك اسرها ويطلقها من اغلالها ، فطلعت شمس الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لتبدد بأشعتها على النفوس ظلمات القسوة والطغيان ، وبدت بمطلعه فحايل الخير وملامح البر .

فالمسلمون يستذكرون في ميلاد الرسول الاعظم صلى الله عليه وسلم ميلاد السعادة يرفرف على العالمين ، وبميلاد العدل ينتشر بين الناس ، وميلاد المساواة تعم الكون ، وميلاد الرحمة والإخاء يظلان الناس أجمعين .

وبهذه المناسبة أقول لكم إذا كنتم تطلعون الي لتسمعوا حديثاً في وصف ومدح النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فلتعلموا أن اللسان يعجز عن وصفه،  وأن الفكر يعجز عن إدراكه ، فماذا يستطيع لسان بشر وعقل بشر أن يحيط بسيد البشر من كل قبيل في كل عصر وفي كل جيل ، وهل يمكن للقطرة أن تصف البحر ، وهل للهباءة أن ترسم الشمس ، وهل لذرة الرمل أن تصور الجبل ، اللهم لا، فكذلك لا يمكن لعبد صغير أن يصف سيد الهدى وصاحب الندى محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم .

كل الذي استطيع أن اقوله سيدي يا رسول الله إن مثلي ومثلك كمثل اعرابي ضل الطريق وضاع في متاهات الصحراء ولم يعرف الى أين يتوجه، فلما طلع عليه القمر اهتدى بنوره وعرف جهة مقصده فوقف الاعرابي تجاه القمر ليقدم كلمة شكر فقال : ماذا اقول لك أيها القمر ، أقول رفعك الله لقد رفعك ، اقول نورك الله لقد نورك ، أقول جملك الله لقد جملك ، هذا ما قاله الاعرابي الضال للقمر الذي هداه الى الطريق ، وأنا وأمتي يا رسول الله كنا أضل من ذاك الاعرابي وبعثك الله لنا سراجاً منيراً فهدينا بك ، ورسمت لنا طريق النجاة والهداية فماذا نقول لك يا سيدي يا رسول الله.

نقول رفعك الله لقد رفعك حين قال { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ }(1) ، نقول نورك الله لقد نورك حين قال { قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ}(2)، نقول جملك الله لقد جملك حين شبهك بالشمس واعتبرك سراجاً منيراً فقال  {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا  وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا }(3)، نقول رحمك الله لقد رحمك حين اعتبرك الرحمة نفسها { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } (4)، نقول صلى عليك الله لقد صلى عليك مع الملائكة وعباده المؤمنين فقال { إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(5).

سيدي يا رسول الله لقد ربطك الله بنفسه في عدة مواضع ليمنحك مكانة فوق مكانة البشر وقدراً فوق قدر المرسلين ، لقد ربط ذكرك بذكره فلا يذكر ربنا إلا وتذكر معه سواء في الآذان أو الشهادة أو الصلاة أو أي مكان أو زمان ، وربط طاعته بطاعتك فقال { مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}(6)، وربط بيعته ببيعتك فقال { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ }(7) ، وربط محبته بمتابعتك فقال { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ }(8) ، فمن حقك علينا أن تذكرك ، ومن حقك علينا أن نطيعك ، ومن حقك علينا أن نبايعك ونعاهدك ، ومن حقك علينا أن نحبك ونؤثرك على أنفسنا ، ونتبع طريقتك،  ومن حقك علينا أن نفرح بميلادك وبعثتك .

سيدي يا رسول الله: كم نلوم أنفسنا ونعنفها لتقصيرها حين نتأمل سيرتك فنرى الجمادات احتفت بك والحيوانات ابتهجت لصحبتك ، وحليمة السعدية بمجرد أن التقت بك احتفلت بك وبكل اعضائها وهي لا تدري حتى ثديها وناقتها و انانها ، تقول حليمة : خرجت في نسوة من بني سعد بن بكر نلتمس الرضعاء بمكة على أنانٍ ، وهي الأنثى من الحمير، في سنة القحط والجدب التي لم تُبق شيئًا ومعي زوجي ومعنا ناقة مسنّة لا يسيل من ضرعها قطرة حليب، ومعي صبي لي لا ننام ليلتنا من بكائه ما في ثديي ما يغنيه ، فقدمنا مكة ولم يبق منا امرأة إلا عُرض عليها رسول الله فتأباه، وإنما كنا نرجو كرامة الرضاعة من والد المولود، يعني النسوة ينتظرن ما نعبر عنه نحن بالإكرامية من والد المولود، ولكن رسول الله يتيم، قالت حليمة: لم يبقَ من صواحبي امرأة إلا أخذت صبيًا غيري فكرهت أن أرجع ولم اخذ شيئًا، فقلت لزوجي والله لأرجعن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، فأتيته فأخذته ورجعت إلى رحلي، ثم وضعته في حجري وألقمته ثديي الأيمن ليتغذى منه بما شاء فوجد فيه على دهشة مني ما يشبعه ، ثم القمته الثدي الايسر فرفضه إلهامًا من الله تعالى، كأنه قد علم أن له في ذلك شريكًا فظهر منه حينئذ الإنصاف والفضل ، تقول حليمة وأعجب من هذا أن قام زوجي الى الناقة ليهدي ثائرة الجوع التي تلتهب بين احشائه فإذا خلافها حافلة باللبن مع أنها ما كانت تحمل قطرة نحلبها وشربت معه حتى انتهينا ريا وشربا فبتنا بخير ليلة وما كنا ننام من قبل ، ثم قال صاحبي حين اصبحنا تعلمين والله يا حليمة لقد اخذت نسمة مباركة ، ثم خرجت وركبت أتاني وحملته عليها معي فوالله لقد سبقت الركب وقد كنت لا الحق بهم حتى أن صواحبي ليقلن لي يا ابنة أبي ذؤيب ويحك اعطفي علينا بالرفق في السير ، أليست هذه أتانك التي خرجت عليها تخفطك طوراً وترفعك طوراً آخر فأقول لهن بلى والله انها لهي فيقلن إن لها لشأنا (9)، نعم إن لها لشأناً إنهت لا تحمل حليمة فقط بل تحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً فهذه الانان وتلك الناقة وذاك الثدي من حليمة كلها مخلوقات غير عاقلة في عرفنا ، ولا مدركة في قياساتنا ومع ذلك ابتهجوا برسول الله صلى الله عليه وسلم  بطريقتهم الخاصة ، أما الإنسان فكان جاهلا بما يجري من حوله حتى حليمة هذه التي كانت تندفع نحو لتتلقاه بين ذراعيها لتشعر باللبن يعود الى ثديها متحفزاً لأن يسيل في فم محمد عليه الصلاة والسلام ثم لا تفطن بعد ذلك كله لشأنه ومقامه كل ما تعلم هي وزوجها انه طفل مبارك ، نعم إنها لم تكن تعلم أنها تحمل الدين الجديد بين ذراعيها ، ولا كانت تعلم أنها تضم الاسلام الى صدرها، ولا كانت تعلم أنها تضع الحضارة على ركبتها .

أيها الإخوة : إذا تحرك الحليب في ثدي حليمة ابتهاجاً برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يجب أن يتحرك فينا الشعور الإيماني ، وتنبعث الغيرة ، ويستيقظ الضمير لتشدنا كل هذه الى تعاليمه ومبادئه وأخلاقه وقيمه .

وإذا جاءت الناقة بحليبها احتفالاً بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ألا يجب عليكم أن تجودوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل نشر دعوة محمد وتعاليمه ودينه .

وإذا أسرع حمار حليمة احتفالاً برسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يجب عليكم أن تشدوا الهمة وتسرعوا لتلتحقوا بركب الامم وتمتطوا سراج العلم .

ألا يجب أن نستأصل بذور الكبرياء والغرور من رؤوسنا لنقف بكل تواضع أمام أعظم رجل غداً ، ألا يجب أن تتصدع قلوبنا لذكر الله وتخشع وتطيع ، ألا يجب أن تخمد نيران الحقد والعداوة التي اكلت قلوبنا وشقت شملنا ومزقت صفوفنا .

فلنتنبه إذا ولنتأمل في حقائق الأمور ولنحتفل برسول الله صلى الله عليه وسلم بأعمالنا قبل اقوالنا، ولنبتهج بمولده بقلوبنا قبل اجسامنا وألسنتا ولنتجمل له ببواطننا قبل مظاهرنا .

___________________________

 

1 الشرح  الاية 4

2 المائدة الاية 15

3 الاحزاب الاية 45 – 46

4 الأنبياء:107

5 الأحزاب:56

6 النساء الاية 80

7 الفتح الاية 10

8  ال عمران 31

9 الاستيعاب ابن عبد البر. أسد الغابة ابن الأثير. الإصابة ابن حجر. البداية والنهاية ابن كثير.