المخدرات العقائدية – الدكتور محمد معشوق الخزنوي

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحابه ومن والاه وبعد:

 

المخدرات بمفهومها العام، وأفقها العريض، وإسقاطاتها الشاملة تضم وتتضمن في مفهومها وحكمها كل ما من شأنه تعطيل فكر الإنسان، وستر عقله، وطمر بصيرته.

 

وبمناسبة الحديث عنها لابد من ألفت الأنظار إلى المخدرات المعنوية التي يدفن الإنسان نفسه بين جوانحها، ويدمن الإنسان عليها؛ من عادات وأعراف، وتقاليد وأفكار، وعقائد وطقوس، وشعائر ما أنزل الله بها من سلطان، ولا تعتمد على أي استدلال عقلي أو نقلي، وليس لها من أثار إلا الضرر والإضرار، ولا تسخر إلا لحجب المعلومات عن الفكر بغية تجفيف منابع المعرفة لديه ليسهل اصطياده؛ عبر تنومه مغناطيسياً، أو غسله دماغياً؛ تماماً كما يفعلوه الصيادون مع الكروان، حيث تقول الأسطورة: أنهم إذا قالوا للكروان: “أطرق كرى، أطرق كرى، إن النعام في القرى، أغاثكم في أرضنا ما استنثرى، ما استنفرى” حينئذ ألتصق الطائر بالأرض مصدقاً حتى يتناوله الصيادون بأيدهم.

 

هذه هي الغاية من المخدرات المعنوية لتنام ويسهل اصطيادك، إنها السموم المتوارثة التي يرثها الجيل اللاحق عن الجيل السابق دون تبصر أو تفحص، ودون تحليل علمي، أو محاكمة عقلية، أو استدلال شرعي، حيث تعطل هذه السموم المتوارثة قوى الإنسان، وتشل تفكيره، وتمنعه من الانتفاع بعقله، وتجعله دمية يتلاعب بها ذوي المصالح، وتحوله إلى كرة يركلها اللاعبون الكبار بأقدامهم في الملاعب الدينية أو الدنيوية على حد سواء، فلا فرق أيها الأخوة بين أن تعطى جرعة من مخدر محسوس من المخدرات أو المسكرات، وبين أن تعطى جرعة من مخدر معنوي من توجه مسموم، أو إرشاد مغلوط، أو تربية مقلوبة، فالنوعان ينومانك، ويمنعانك من أداء واجبك، ويعطلان فكرك، ويستولى بهما على إرادتك، ويفتح بهما المجال لعدوك أياً كان هذا العدو، سواء كان عدو دينك، أو عدو عقيدتك، وسواء كان عدو شعبك أو عدو أرضك وعرضك، عدو وحدتك أو عدو قوتك واقتصادك، عدو ماضيك أو عدو حاضرك ومستقبلك، عدو علمك أو عدو علمك وتبصرك، عدو ثقافتك أو عدو أخلاقك وسلوكك، هذا العدو الذي لا يهمه ألا أن تنام لتخلي له الساحة، وتفرغ له الميدان، العدو الذي يضرب بيده على ظهرك مربتاً ولسان حاله يقول:

 

ناموا ولا تستيقظوا      ما فـــــــاز ألا النُّوَمُ

 

نعم إن المخدرات المعنوية، والسموم الفكرية؛ هي كالسموم المادية والمخدرات المحسوسة في كونهما يعطلان العقل، ويمنعان من التحليل الصحيح وإدراك الأمور، وترجيح الحق والصواب على الخطأ والباطل، بل هذه المعنوية أشد من تلك المحسوسة، لأن من يتعاطى المخدرات المحسوسة يشعر بأنه مريض، وأن عليه أن يتعافى يوماً، ويؤنبه ضميره، ويشعر بين الحين والآخر أنه مجرم مذنب عاص، وأن عليه يوماً أن يتوب ويقلع، وهذا يعني أن أية فرصة في حياته هي مرشحة للإقلاع عن هذه المخدرات المادية والمحسوسة، وهي وإن أثرت فربما تؤثر على شخص أو جيل من المجتمع أو أكثر ولكن في النهاية ستزول أسباب الإدمان، وتخرق صفوف التجار الذين لا يعملون إلا في الظلام، إضافة إلى أن تجار المخدرات المعنوية لا يعملون كتجار المخدرات المادية في الظلام، إنه يعملون جهراً، تجار المخدرات المعنوية يعملون جهراً وعلى مرأى ومسمع من المجتمع والناس، يبيعون بضاعتهم جهاراً، وربما سلطت عليهم الأضواء ليكون هم سادةً في مجتمعاتهم، وقادة في أحيائهم، وليكونوا أسوة لغيرهم، وكذلك فإن المخدرات المعنوية تؤثر على عشرات الأجيال والأمم لأن قوتها في ذاتها، واستمراريتها في داخلها، ودوامها في تركيبتها، حيث لا يرى المدمن عليها نفسه إلا معافى، وفي قمة الاستقامة والشرف والطاعة، وهو على استعداد أن يضحي بكل غال ورخيص من أجل استمرار هذه المخدرات المعنوية لأنه يراها إرث الآباء والأجداد الذي ينبغي له أن يحافظ عليه، ويوصل نفعه إلى أحفاده كما انتفع به أجداده، وانتفع هو بها فيما بعد، ولذلك لو شعر هذا الرجل في يوم ما بضرر هذه المخدرات المعنوية فهو لا يستطيع أن يترفع عن تعاطيها، أو أن يترك الإدمان عليها لأنها تراث الأجداد، لذا تراه كالنعامة يدفن رأسه في الرمال خشية من الحقيقة، لأنه يرى أية محاكمة لهذه المخدرات المعنوية هي محاكمة لآبائه وأجداده الذين ورث عنهم هذا المخدر أو ذاك، وكم من جيل – أيها الأخوة -؛ وكم من مجتمعات، كم من أمم لا زالت مخدرة بفعل السموم التي زرعت بذرتها الأولى جدهم الأول، ولازالت الأجيال من بعد تسقيها وتتعهدها حتى صار إخطبوط يخنق أنفاس هذا الجيل، أو كابوساً يقبع على صدر ذلك الجيل أو هذا.

 

وإذا كان البحث في المخدرات المعنوية يحتاج إلى حلقات كثيرة ومتعددة فهذا لا يعفينا من مسؤوليتنا، ولا يمنعنا من البحث في الأهم منها، والأقرب منها إلى واقعنا، فتعالوا لنقف أيها الأخوة مع المخدرات في مجال العقيدة:

 

أيها الأخوة: نحن نرى أن الله – عز وجل – أعطى الإنسان العقل والإدراك والتميز، ومكنه عبر حواسه الخمسة من المقارنة بين الأشياء، وتلقي المعلومات؛ ليتمكن من الخروج بنتيجة صحيحة في علاقته مع الله والآخرة، عبر محاكمة عقلية صحيحة سليمة صافية بعيدة كل البعد عن كل مؤثر أو تراث للأباء والأجداد، ولا شك أن هذه الفرصة الذهبية لو منحت وهيأت لأي إنسان فإنه سيهتدي إلى العقيدة الصحيحة التي تنجيه في الدنيا والآخرة، لأنه سيعلم بالتأكيد وفطرته السليمة ستملي عليه أن الله – سبحانه وتعالى – هو خالق كل شيء، وعلى كل شيء قدير، وأن الله هو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وأن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وسيعلم أيضاً أن الله وحده هو وحده الذي يرفع إليه الحوائج، وهو وحده الذي يدعى ويستغاث به ويستعان، وهو الذي يعبد وينسك له، وأن الذين من دون الله لا يملكون من قطمير، ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، ولا حياة ولا نشوراً، وأن مقاليد الأمور بيد الله لم يوكلها إلى غيره، لا إلى ملك مقرب ولا إلى نبي مرسل، ولا إلى ولي صالح، وليس بالإمكان إلا ما قدر الله له أن يكون، ولو أن الإنس والجن على رجل واحد لينفعوه لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، وعلى العكس فلو اجتمعوا على رجل واحد ليضروه لم ضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، رفعت الأقلام، وجفت الصحف، ولكن مع هذا آلا ترون أن ثمة عباداً لله مخدرين – وسبحان الله عما يشركون – لازالوا يرون ويعتقدون أن الله ثالث ثلاثة، أو أن لله زوجة، أو أن لله ولداً، أو أن الله حل في أحد، أو تجسد في أحد، أو اتحد بأحد، آلا تجدون ثمة عباداً لله مخدرين حتى من بين الذين يدعون الإسلام، وحتى في مجتمعاتكم، آلا تجدون أن هناك مخدرين لازالوا يرون ويعتقدون أن غير الله يعطي ويمنع، أو يوصل ويقطع، أو يفرق ويجمع، أو يضر وينفع – سبحان ربي عما يشركون وتعالى، وعما يقوله المخدرون -.

 

وأكثر من هذا نحن نجد في هذا العصر عصر العلم والتكنولوجيا والوعي العلمي لازلنا نجد أناساً يعكفون على أصنام من حجر، أو شجر، أو بشر، ولازلنا نرى آخرين يعبدون ويقدسون النار أو البقر، أو يسجدون للشمس أو القمر؛ مع أن الكثير منهم علماء في مجالات محددة من مجالات الحياة وعلوم العصر، ومع ذلك تجدون أن أذان قلوبهم مغلقة، وأعين بصائرهم مطموسة، وساحة أفقهم مقفلة، صم بكم عمي فهم لا يبصرون، ولا يعقلون، ولا يرجعون، بل ربما تجدوا أن كل واحد من هؤلاء المخدرين يستغل العلم – وأقصد بالعلم معلوماته هو لا العلم المجرد الذي لا يؤدي إلا للحق – من أجل إقرار عقيدته الباطلة التي ورثها عن أبويه، ذلك لأنه مازال متأثراً بالتربية الأولى التي تلقاها على يد أبويه، ولازال مخدراً بالجرعة الأولى التي حقن بها من قبل مربيه أو مجتمعه أو كهان دينه الذين على أعتابهم تتكسر أمواج كل الحقائق مرتدة من حيث أتت، وصدق رسول الله – صلوات الله عليه وسلامه -: (كل مولود يولد على الفطرة، وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه )، ولهذا فإن الشريحة المخدرة من البشر حين لا تتمكن من التلاعب بالمفاهيم العلمية، ولا تسعفها حيلها لتتلاعب بأذهان الناس؛ لا ترى بداً من الالتجاء إلى الآباء والأجداد، لتنام مخدرة في أحضانهم، باحثة عن السلامة في ظلهم، معتصمة بعظام أجدادهم التي رمت، قائلين: (( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإن على آثارهم مهتدون ))، (( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا آو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون))، ((وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون))، الله أكبر إنه السكر والخدر، يأتيهم الحق فيدعونه لا لشيء سوى أنه مخالف لما كان عليه آباءهم وأجدادهم (( وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم ( لا كل شيء إلا الاستغناء عن تراث الآباء والأجداد ولذلك قالوا ) إنا بما أرسلتم به كافرون ))، ألم أقل لكم أنه السكر والخدر يأتيهم الحق فيدعونه ويرفضونه لا لشيء سوى أنه مخالف لما كان عليه آباءهم وأجدادهم، أولو كان آباؤهم لا يعقلون، فبالله عليك أليس هؤلاء مخدرين، معطلة عقولهم، على قلوبهم أقفالها، بلى والله، ولذلك تعال معي لتتأكد أن هؤلاء ذوي قلوب مخدرة، فهم يوم جاءهم الحق وجاءهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بدعوة التوحيد، ونهاهم عن عبادة الأصنام الذين كانوا عليها عاكفين تقليداً لآبائهم وأجدادهم قالوا: ((اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم))، أليس هؤلاء أقواماً مخدرين، يقولون: إن كانت دعوة محمد حقاً فأمطر علينا حجارة, لمَ لمْ يقولوا: إن كانت دعوة محمد حقاً فاهدنا إليها، اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه، لكن يوم تكون مخدراً ترفض كل ما لم يكن عليه أبوك أو جدك، ستقول أمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، وهكذا لما جاء الإسلام ووجد القوم نائمين في ظلال قبور أجدادهم، يفعلون ما يفعلون؛ دون تبصر أو روية، أو استعمال عقل أو إشغال فكر؛ اعتبرهم الإسلام مرضى، فلم يعنفهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، ولم يعاملهم بالكره والقسوة، بل حاول إيقاظهم من سباتهم برفق، وتنبيههم من غفلتهم بلين، وتخليص عقولهم من جرعات المخدر التي حقنها الأجداد في رؤوسهم، وغسلوا بها أدمغتهم، فدعاهم الإسلام ليتفكروا ويتأملوا، ويتدبروا ويسألوا أنفسهم، ويراجعوا حساباتهم؛ هل ما اعتبروه عقيدة لهم هل تصلح حقاً أن تكون عقيدة، وهل ما اعتبروه عادات أو تقاليد أو خطوط حمراء لا يمكن مجاوزتها هي حقاً كذلك، وهل عبادتهم للحجر، وتقديسهم للشجر، وتألههم للبشر؛ يرضى عنه العقل السليم، والفكر السديد، لقد حث الإسلام على أن يجيب المشركون المخدرون على هذه الأسئلة بروية، ومن خلال إعمال الفكر والحجة، والمنطق والتأمل، والتدبر والإدراك الحسي؛ بعيداً عن تجربة الآباء ومؤثراتهم، وتراث الأجداد وعاداتهم، وتعال أخي المؤمن لتسمع معي وترى هذا المشهد الذي اعتبره الإسلام نموذجاً حث المسلمين على أن يقتدوا به، إنها صورة إبراهيم: ((قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه )) الآيات التي تصور المشهد تقول: (( واتلُ عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين واجعل لي لسان صدق في الآخرين واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لأبي إنه كان من الضالين ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ))، وقد دعانا ربنا لأن نجعله أسوة لنا إلا استغفاره لأبيه يوم بيّن عذره فقال: ((ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم)) ماذا فعل إبراهيم – عليه السلام – قال لأبيه وقومه وخاطبهم بالحكمة، ووضعهم أمام محاكمات عقلية، قال وهو يعلم لكنه يريد الجواب منهم، يريد أن يلزمهم الحجة: ما تعبدون؟ قالوا: نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين!! حينئذ سألهم وهو يتضمن مبرر عبادتهم: هل يسمعونكم إذ تدعون، أو ينفعونكم أو يضرون؟ ما هي مبررات عبادتكم لهذه الأصنام وهي حجارة أو أخشاب لا تسمعكم يوم تدعونها، ولا تضركم أو تنفعكم، بل هي لا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً، ويوم لم يملكوا جواباً لإبراهيم على وفق هذه المحاكمة العقلية التي جعلتهم في موقف حرج لم يجدوا لهم مجالاً إلا أن يعتصموا ويتمسكوا – كما يفعله اليوم بعض من المسلمين – لم يجدوا لهم مجالاً إلا أن يتمسكوا بعظام أجدادهم التي رمت فقالوا: بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون!! فهل تظن أن آباءنا مخطئين، أليس هم أعلم منا، وكأن الآباء والأجداد معصومين، قالوا: بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون، وبعد أن ناقشهم وجادلهم إبراهيم بالتي هي أحسن وهم لا يزدادون إلا تمسكاً بأصنامهم وعظام أجدادهم حينئذ لم يجد سيدنا إبراهيم مجالاً إلا أن يظهر موقفه فقال: (( أفرأيتم ما تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ))، ثم بين لهم لما استثنى رب العالمين من معبوداتهم لأنه هو الذي خلقني فهو يهدين، والذي يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثم يحيين، والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين، ثم بدأ يدعو: رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين، واجعل لي لسان صدق في الآخرين، واجعلني من ورثة جنة النعيم، واغفر لأبي إنه كان من الضالين، ولم يقف سيدنا إبراهيم موقفهم فقال: أنا أيضاً سأتبع أبي، إنما دعا لأبيه حتى يهديه الله (( واغفر لأبي إنه كان من الضالين ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم )).

 

أدعوك أخي المسلم يا من طالبك الله بأن تتخذ من إبراهيم أسوة، هل تستطيع أن تقول لأمتك أو لمجتمعك أو لحيك أو لأسرتك أو لقومك أو لأبويك هل بإمكانك أن تقول مثل ما قال إبراهيم بعد أن جادلهم، وبعدما ألزمهم الحجة فاستمروا على عنادهم، وتمسكوا بعظمائهم وآبائهم وأجدادهم وساداتهم وكبرائهم، هل تستطيع أن تقول: (( أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ))، إن كنت تستطيع أن تمارس هذا الدور فأنت عاقل صاح مدرك، واشكر الله على أنك على قدم الموحدين من الأنبياء والصديقين، والشهداء والصالحين، وأرجو الله أن تكون معهم يوم الدين، وإن لم تستطع أن تقول كما قال إبراهيم فأنت مخدر كقومك، وأنت مأخوذ، والعرب يقولون: [المأخوذ ما يسمع صياح ]، إنه مثل عربي يوم كانت القبائل تغزو بعضها بعضاً، ويأتي النذير ليخبر القوم بأن العدو مصبحهم فمن صدق النذير رحل في الليل، ومن يقول: أن النذير يكذب يمكث في مكانه، فلا تشرق الشمس إلا والقوم فوقهم غازين، ولذلك تقول العرب: إن من كتب الله له أن يأخذ، ويتلف ماله، وتنهب ثروته؛ لا يسمع الصياح، إنه يسمع لكنه لا يدرك، مخدر لا يستوعب، ولذلك لا يستجيب النداء.

 

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.