وإنك لعلى خلق عظيم – خطبة للدكتور مرشد معشوق الخزنوي

د. مرشد معشوق الخزنويsyeh
أيها الأحبة:
لقد خلق الله البشر في هذا الكونالفسيح، المترامي الأطراف الذي سخّر بكل ما فيها للإنس والجن، لغاية سامية رفيعة وهي غاية وجودنا في هذا الكون ألا وهي عبادة الله وحده، هذه الغاية التي أكد عليها ربنا في قرآنه فقال ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56]، وحتى تتعرف البشرية على مقصود مراد لله وغايته وحلاله وحرامه وحتى تجتنب البشرية سخط وغضب الرب وعد الله أنه سوف يتكرم بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين معلمين فقال ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ [الإسراء آية 15]، وهكذا تتالى إرسال الرسل إلى البشرية من لدن آدم عليه السلام إلى أن رفع الله المسيح عيسى عليه السلام إلى السماء،حينها دخلت البشرية في ظلمة قاتمة، وارتدت عن طريق الحق، فكان إرادة الله بإرسال رسول خاتم إلى البشرية جمعاء، حيث كانت الرسل ترسل إلى أقوامها خاصة، وقد كان العالم وقتها بأمس الحاجة إلى مصلح ومنقذ ذو همة عالية، يستأصل بدعوته جذور الفساد، فكانت ولادة سيد البشر محمد بن عبد الله الذي أشرق نوره على ربوع مكة التي غرق أهلها في الجاهلية والشرك.
هذا الحدث العظيم الذي يحتفل المسلمون به في مثل هذه الأيام حسب بعض الأقوال، لأنه قد اختلف في تاريخ مولد النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا، والراجح أنه صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين من شهر ربيع الأول عام الفيل، أي بعد الحادثة بخمسين يوماً، ويصادف ذلك سنة 571 من ميلاد عيسى عليه السلام.
ونحن اليوم عندما نتحدث عن مولد الحبيب النبي، مولد السعادة للبشرية، لا نملك إلا أن نمدح أنفسنا بالثناء على صاحب الذكرى ونرفع من قدرنا بالانتساب اليه، ونشمخ بأنوفنا فخاراً واعترازاً بالايمان به، والسير في ركابه، وفي هذه الذكرى العطرة يكثر الخطباء والبلغاء في الوصف والثناء في الحبيب النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، غير أنني أجد اللسان عاجزا عن أداء الواجب، فلا تستطيع قطرة الماء أن تصف وتصور البحر، ولا يمكن لذرة الرمل والتراب أن تصور الجبل، كل الذي أستطيع قوله في هذه الذكرى أن أتوجه إلى صاحب الذكرى لأقول: سيدي يا رسول الله، ماذا عسانا أن نقول وقد اصطفاك الله لنفسه وجملك بكل خلق عظيم ووصفك في قرآنه فقال: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [سورة القلم الآية 4] هذا الحق العظيم هو القرآن.
فقد روى الإمام مسلم في صحيحه أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها سُئلَت عن خلق النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت: “كان خلقه القرآن”، لما لأن الله قال له: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [سورة القلم الآية 4].
فقد تجلت عظمتك يا سيدي يا رسول الله في كل ناحية من نواحي حياتك وأخلاقك.
تجلت عظمته في أمانته حتى أسماه أعدائه بالصادق الأمين.
و تجلت عظمته في صدق لهجته حتى قال أعدائه ما جربنا عليك كذباً قط K حيث كان معروفًا بين الناس بأنه صادق أمين؛ فعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: لما نزلت ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ [الشعراء: 214]، صعِد النبي – صلى الله عليه وسلم – على الصفا فجعل يُنادي: يا بَني فِهر، يا بني عديٍّ – لبطون قريش – حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يَستطِع أن يَخرُج، أرسل رسولاً ليَنظر ما هو، فقال – صلى الله عليه وسلم -: ((أريتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مُصَدِّقيَّ؟)). قالوا: نعم؛ ما جرَّبنا عليك كذبًا .
فهذه شهادة من كفار قريش لنبي الرحمة محمد – صلى الله عليه وسلم – أنهم لم يَأثِروا عليه كذبًا قطُّ، ولم يَعلموا عنه إلا الصدق.
وتجلت عظمته في صبره وثباته على الحق عندما احتمل قومه ولم ينتقم، ولما فعل المشركون به في أحد ما فعلوا وشجوا وجهه المبارك وكسروا رباعيته الشريفة قال أصحابه كما في صحيح مسلم، لو دعوت عليهم يا رسول الله، فقال عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم إني لم أبعث لعاناً ولكن بعثت داعيا ثم قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
وتجلت عظمته في عفوه وحلمه عندما دخل مكة فاتحاً ومنتصراً، ووقف مشركوا مكة وصناديدها عبيداً أذلاء بين يديه،كما رواه البيهقي في (السنن الكبرى) وفي (دلائل النبوة) عن أبي هريرة قال (ما تقولون وما تظنون؟ قالوا: نقول: ابن أخ، وابن عم، حليم، رحيم، فقال أقول كما قال يوسف: ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [يوسف: 92].
وتجلت عظمته في تواضعه، فقد روى ابن ماجه، والحاكم في المستدرك وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه أن رجلاً أعرابياً جاء إلى رسول الله وتشرف برؤيته وتمعن في طلعته البهية، فأصابته رعدة من هيبته وجلاله فاختلجت أضلاعه، واضطرب من شدة هيبته ماذا فعل النبي؟ أعجبه ذلك؟ رضي أن يخضع له؟ أن ترتعد مفاصله خوفاً منه؟.
استدناه، قال اقترب مني يا فلان وربت بيده على كتفه في حنان، وفرط تواضع، وقال:((هون عليك، لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة..))، ما رضي صلى الله عليه وسلم أن يستعلي عليه، ما شعر بدغدغة في مشاعره حينما يخضع له الناس، ويعظمونه، قال:((هون عليك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة)).
و تجلت عظمته في شجاعته فقد روى الإمام احمد والنسائي عن علي ابن أبي طالب قوله: كنا إذا اشتد البأس وحمي الوطيس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله فما يكون أحد اقرب إلى العدو منه.
تجلت عظمته في قبوله للآخرين وعدم نفيهم، وكان لقاء عجيبًا ذلك الذي جمع هذا الرجل الطيب عليه الصلاة والسلام مع نصارى نجران، حيث جاءوا إلى المدينة والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في قوته وبين أهله وذويه، وجاء القوم من بلادهم وهم ضعاف ينظرون ماذا سيفعل بهم هذا الرسول الذي لا يؤمنون ببعثته.
ودخل ستون فردًا على الرسول صلى الله عليه وسلم في مسجده، وهم يلبسون أحلى ما رأى الناس، حتى قيل لم نرَ وفدًا مثلهم، ولم يغضب الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا الاستعراض وهذه الجلبة وهو في محرابه، بل استقبلهم داخل مسجده وبجانب محرابه، وفي موطن عبادته وتوحيده.
ولما حان وقت صلاتهم، اتجهوا نحو المشرق، وأرادوا أداءها في المسجد، وفي اتجاه مخالف لاتجاه المسلمين.. تثليث وصلبان وصلاة مغايرة في مقابل التوحيد وصاحب الرسالة، ورفض الصحابة هذه الإثارة، ولعلّ البعض رآها استفزازًا، ولكن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قَبِل ذلك، وطلب من أصحابه الأفاضل السماح للضيوف الكرام أداء صلواتهم في المسجد، على مرمى عين صاحب الرسالة، احترامًا لعيسى وآل عيسى وأتباع عيسى عليه السلام.
ولقد بقي هذا الجمع يسكن المسجد لأيام، في ضيافة النبي صلى الله عليه وسلم، يأكلون ويشربون ويصلون وينامون، دون إزعاج أو مضايقة أو منع أو تنديد.. هذا هو محمد صلى الله عليه وسلم.
تجلت عظمته في احترامه للإنسانية كلها عندما وقف ذات يوم عند مرور جنازة احترامًا لجثمان الميت، كما روى البخاري في صحيحه، فقيل له إنها جنازة يهودي، فقال: أليست نفساً، تذكيرًا بأصل الخِلقة وتكريم الخلق على اختلاف مشاربهم وأجناسهم وأديانهم وثقافاتهم.
فأكثروا من الصلاة والسلام عليه، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه، فقد ورد في الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام صعد المنبر ذات يوم فلما صعد الدرجة الأولى قال آمين فلما صعد الثانية قال آمين فلما صعد الثالثة قال آمين فلما انتهى سأله أصحابه عن أمره ذاك فقال لما صعدت الدرجة الأولى جاءني جبريل فقال بعد وخسر قلت من يا جبريل قال من أدرك رمضان فلم يغفر له فقلت آمين فلما صعدت الثانية قال بعد وخسر قلت من يا جبريل قال من أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة فقلت آمين فلما صعدت الثالثة قال بعد وخسر قلت من يا جبريل قال من إذا ذكرت عنده فلم يصلي عليك فقلت آمين. اللهم صلِّ عليه.
سيدي يا رسول الله..
فلو أن إنساناً تخير ملــــــةً          لمـــا اختار إلا دينك الفقراء
المصلحون أصابع جمعت يداً         هي أنت بل أنت اليد البيضاء
صلى عليك الله يا علم الهدى ما هبت النسائم وما ناحت على الأيك الحمائم.
ثوبان خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فيجده يبكي فيقول له ما يبكيك يا ثوبان؟ رسول كريم رحيم كان حبيب الفقراء وجليس المساكين.. إنه الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم.
ما يبكيك ياثوبان؟ أتدرون مما يبكي ثوبان، إنه لا يبكي لأن به وجعاً، لا، ولا لأن ماله قليل، ولا يبكي لأنه يريد منصباً من مناصب الدنيا الفانية، فما الذي يبكيك يا ثوبان؟ قال يا رسول الله لأنت أحب إلي من نفسي ومالي وإنك إذا غبت عني اشتقت إليك وتذكرت القيامة فعرفت أنك داخل الجنة مع النبيين وإني إن دخلتها لا أراك، وعلى ذاك أبكي. فماذا كان جواب رسول الله؟
إنها المحبة والخشية من الافتراق، محبة الرسول صلى الله عليه وسلم أصل عظيم من أصول الإيمان، وهي محبة واجبة لازمة تابعة لمحبة الله جل وعلا.. قال تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) محبة النبي صلى الله عليه وسلم واجبة وتابعة لمحبة الله، وإن غرست شجرة الحب للحبيب صلى الله عليه وسلم في القلب وسقيت بماء الإخلاص أثمرت كل أنواع الثمار وآتت أكلها كل حين بإذن ربها وازهرت كل صور الاقتفاء والاتباع للمحبوب صلى الله عليه وسلم.
فالحب هو ميل القلب إلى المحبوب، ولا يكون المحب صادقا للمحبوب إلا إذا وافق حبه هوى المحبوب، فحبك للنبي بأن تكون على دربه وإن خالف قوله وفعله هواك، وأن تبتعد عن نهيه وإن مال اليه هواك
تعصي الإله وأنت تظهر حبه    هذا لعمري في القياس بديع
لوكان حبك صادقا لأطعته      إن المحب لمن يحب مطيـــــــــــع
ما يبكيك يا ثوبان؟ فقال يا رسول الله، لأنت أحب إلي من نفسي ومالي، وإني لأذكرك فما أصبر حتى أجي فأنظر إليك، وإني ذكرت موتي وموتك فعرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإن دخلتها لا أراك، عندها كان جبريل يجوب الآفاق وينزل السبع الطباق وينزل على مبعوث العناية الإلهية بقول الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴾ [النساء: 69، 70] فدعا به فقرأها عليه وقال: (من أحبني كان معي في الجنة).
فالحب يثمر الاقتداء والاتباع ولا يمكن أن تصل إلى درجة الحب الصادق إلا إذا امتثلت الأمر واجتنبت النهي ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ [آل عمران: 31]، ولا يكتمل حبك أيها المحب إلا إذا كان حبك للنبي صلى الله عليه وسلم أشد من حبك لولدك ووالدك ومالك، تدبر لتتعرف على حقيقة حبك للحبيب محمد صلى الله عليه وسلم فقد روى الإمام مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال عليه الصلاة والسلام (لا يؤمن أحدكم حتى اكون احب اليه من ماله وولده والناس أجمعين).
فلا إيمان كامل لمن لم يكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين قال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [24: التوبة].
أنا أسألك هل تحب رسول الله أكثر من حبك لأولادك سنجيب جميعا باتفاق نعم، اسمح لي أن اطرح عليك هذا التساؤل هل تحب رسول الله أكثر من ولدك، تنادي عليك زوجك في جوف الليل يا فلان استيقظ فتقوم مذعورا مفزوعا ما الخبر فترد عليك زوجك ولدك ارتفعت حرارته، الولد في خطر، فتستيقظ وتحمل ولدك على يدك وتجري في الشوارع والطرقات تبحث عن أقرب طبيب ثم تنظلق لتبحث عن أقرب صيدلية لتصرف منها الدواء، إنها رحمة رقيقة أسأل الله أن يأجرك عليها، ثم تعود إلى البيت لتنام من جديد، وبعدها يأمرك رسول الله عليه الصلاة والسلام بالقيام من فراشك بقول المؤذن الصلاة خير من النوم هيا أيها المدثر بالأغطية قم امتثل لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، السؤال هنا هل تكون استجابتك لأمر نبيك كاستجابتك لنداء ولدك، أين الحب فما أيسر الادعاء والقول.
حبك لأبنائك لزوجتك لمالك لعشيرتك أمر مطلوب ومقبول، لكن الذي ليس بمقبول أن لا ترتب أولوياتك، بأن يكون جميع ما ذكر بعد محبة الله ثم محبة رسوله، والنبي صلى الله عليه وسلم عندما يقول (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده والناس أجمعين) يريد منك أن ترتب أولوياتك.
وهنا مثال واضح على ذلك، فقد روى البخاري عن عبدُاللَّهِ بْنُ هِشَامٍ رضي الله عنه: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ». فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «الْآنَ يَا عُمَرُ).
حب الإنسان لنفسه أيها الأحباب طبع وجبله جبل الإنسان عليها، ولكن حب الإنسان لغيره اختيار يولده الأسباب، ولم يطلب رسول الله من عمر حب الطبع، وإنما طلب منه حب الاختيار قال الحافظ ابن حجر العسقلاني شارح صحيح البخاري فلما نظر عمر في الأسباب وجد رسول الله سبب تجاته عندها نطق والله الذي لا اله إلا هو لا أنت الآن أحب إلي من نفسي.
ولكن يجب أن تعلم أن المحبة أمانة ثقيلة، وحمل عظيم، أمانة ذات تكاليف، تتطلب منك الوفاء به من العمل بسنته والاقتداء به
من يدعي حب النبي ولم يفد       من هديــــــه فسفاهة وهراءُ
فالحب أول شرطــه وف،،روضه   إن كان صــــــدقا طاعة ووفاءُ
فالمحبة ليست ادعاء باللسان، وليست مجرد قصيدة شعر يلقيها شاعر، وليست خطبة تلقى على أعواد المنابر، ولكن المحبة منهج متكامل شامل، ولأن المسلمون لو أحبوا رسول الله بما يليق بقدره عند الله لغير الله حالنا.
وذلك لأن قدر المصطفى وشأنه عند الله عظيم، وإن قدر الحبيب عند ربه لكريم، فلقد خلق الله الخلق واصطفى من الخلق الأنبياء، واصطفى من الأنبياء الرسل، واصطفى من الرسل أولى العزم الخمسة، نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمداً- صلوات الله عليهم جميعا- واصطفى من أولى العزم الخمسة الخليلين الحبيبين إبراهيم ومحمداً واصطفى محمداً على جميع خلقه، فشرح له صدره ورفع له ذكره وأعلى له قدره ووضع عنه وزره، وزكاه ربه فى كل شيء.
زكاه فى عقله فقال سبحانه: ﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾ [النجم: 2].
وزكاه فى صدقه فقال سبحانه: ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾ [3: النجم].
وزكاه فى فؤاده فقال سبحانه: ﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ﴾ [11: النجم].
وزكاه فى بصره فقال سبحانه: ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾ [17: النجم].
وزكاه فى صدره فقال سبحانه: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ [1: الشرح].
وزكاه فى ذكره فقال سبحانه: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ [4: الشرح].
وزكاه فى طهره فقال سبحانه: ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ﴾ [2: الشرح].
وزكاه فى حلمه فقال سبحانه: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128].
وزكاه كله فقال سبحانه: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ (4) سورة القلم.
وذلك لأن الله اصفاه لنفسه واحبه وأعلى قدره، ومن أكثر علامات حب الله لنبيه أن الله ما نادى أحدًا من الأنبياء في القرآن إلا ناداه باسمه المجرد فقال:
  • ﴿ يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ﴾ [البقرة: 35]
  • ﴿ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ ﴾ [هود: 48]
  • ﴿ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ﴾ [الصافات: 104، 105]
  • ﴿ يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [النمل: 9]
  • ﴿ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾ [آل عمران: 55]
  • ﴿ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾ [مريم: 12]
  • ﴿ يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ ﴾ [مريم: 7]
  • ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ ﴾ [ص: 26].
وهكذا فلما أراد الله سبحانه أن ينادي على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام قال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ﴾ [سورة الأحزاب الايه 45-46] ولما ذكره باسمه المجرد قرنه بصفة الرسالة أو النبوة فقال: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ [سورة آل عمران الآية 144]، هذه مكانة النبي صلى الله عليه وسلم عند ربه.
الحديث عن مكانة رسول الله يطول، ويأخذ كل الوقت عظم مكانته عليه الصلاة والسلام، لكنني اختم أن ربنا جل في علاه ربط حبيبه النبي محمد صلى الله عليه وسلم في أربعة مواضع علواً لقدره فوق مكانة البشر وقدرا فوق قدر المرسلين:
الأول: ربط ذكرك باسمه فلا يذكر ربنا إلا ونذكرك سواء في الشهادة أو الأذان أو الإقامة، وفي ذلك يقول الشاعر:
وضم الإله اسم النبى إلى اسمه          إذا قال فى الخمس المؤذن أشهدُ
وشق له من اســــــــــــــمه ليجله          فذو العرش محمود وهــــــذا محمدُ
الثاني: ربط طاعته بطاعته فقال ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ [سورة النساء الآية 4].
الثالث: ربط بيعته ببيعته فقال ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ ﴾ [سورة الفتح الآية 10 ].
الرابع: ربط محبته باتباعه فقال ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [سورة آل عمران الآية 31].
فصلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله وعلى آل بيتك الاطهار وصحابتك الاخيار.
اللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبي عن أمته.