الشيخ محمد معشوق الخزنوي في مواجهة الألغام السبعة! – 2- / الكاتب ابراهيم اليوسف

20.06.2005

إبراهيم اليوسف

لعل كلينا – محمد معشوق وأنا – كنا نفهم في قرارتنا ،ودون أن نتكاشف إلا نادراً ، دواعي التقائنا ، دون أية حدود ، بل وأن يتقبل أحدنا الآخر ، دون أي احتكام إلى ما هو خارج ذاتينا ، ودون أن يكترث أي منابالصوى والوعيد من قبل من حولنا ، كلّ بحسب دائرته الخاصة ، خصوصاً وإنني الماركسي – أرومة وعي مستحصلة ذاتياً ،وهو الإسلامي العلماني المجدد بما لا يشبه أحداً من حوله ، أيضاً! مما لا شك فيه ،أنني كنت أستند أثناء انخراطي في عالم هذا الشيخ،خلال هذه الفترة القصيرة على إرث طويل جداً من العلاقة العائلية ،حيث جدانا كانا روحاً واحدة في جسدين ،لدرجة أن شيوخ آل الخزنوي كانوا يرددون مقولة واحدة:عين على كل من حولنا،وعين على أبناء الشيخ إبراهيم –أي جدنا – ، وهو ما جعلنا نتواصل على نقاط الالتقاء ،فحسب ، دون أن أكون مريداً له ، ودون أن يقدم – هو- طلب انتسابه إلى الحزب الشيوعي السوري،وإن كان قد أبدى استعداده لحضور أحد نشاطاته،ويسهم فيه،لولا سفره إلى دولة الإمارات العربية المتحدة،لحضور ندوة هناك – وهو كلام سأتناوله في موقع آخر حول جوهر علاقتي به…! بعيداً عن الاستطراد ، يمكن التذكير – هنا – بمسألة أعدها – استراتيجية لدي ، وهي أن – أي شيوعي حقيقي في العالم مطالب بأن تكون – القضية الكردية – أولى قضية يتبناها الآن – نظراً لخصوصيتها ، في ما إذا كان هذا الشيوعي صادقاً،لأن الكرد ضحية أكبر مؤامرة عالمية عليهم ، وهو ما يجعلني أجزم مع رأي الشيخ معشوق هنا بصدد هذه القضية التي كان يرى في تبنيها كقضية – إسلامية أولى ، في رأس الأجندة التي بات يكرّس نفسه من أجلها ، وكان سيقدم الكثير في مضمارها ، لولا سرعة أجله ، أو التسريع به من قبل قتلته ، انطلاقاً من إدراكهم لإمكاناته المتعددة ، وفي شتى الميادين ، وفي مقدمها رأيه – القومي – الذي لم يقبل المساومة عليه البتة…!

ثمة مقولة – دائمة – كان يردّدها الشيخ معشوق ، أنّى تحدّث عن الإسلام واقعاً وجوهراً،مبيناً ولعه بالنبش في الجوهر ،دون أن يكون ذا رأي مستنسخ عن واقع الإسلام ،وما لحق به، عبر أربعة عشر قرناً ممّا نحاه عن حقيقته ، ومساره،وإمكان استجابته لأسئلة العصر، انطلاقاً من روحه ، بحسب رؤاه ، وهي أنه" خبير بنزع الألغام" في الحقل الإسلامي لأن أكلة حق الكرد دائماً مسلمون

عرب –فرس – ترك – يتغطّون تحت مظلة الإسلام وينتزعون منهم الحق وكان يقول دائماً:مهمتي نزع الألغام عن طريق الحركة الكردية،كي تسير على الطريق في ما بعد، مضيفاً:لا أحد بديل عن هذه الحركة .

إن مثل هذا الفهم كان يفسح له مجالاً – يغرّد خلاله خارج سرب – أقرانه بل أن يثير حفيظة أكثر من جهة على حد سواء ، كي يبدو أخيراً في إهاب أفضل من يمسك – ليس بأصابعه – بل بروحه على أخطر جمر هالك!

لقد تبين في ما بعد – أن الرجل – لم يكن ليعمل في محض حقل واحد ملغّم،بل سلسلة حقول ، مجاورة ، مختلفة،عني بها ، على حد سواء، الأمر الذي شتّت – لأول وهلة – الأذهان وهي تحاول معرفة – الحلقة الرئيسة – في تحديد هوية المختلفين معه بل وهو ما أوقع – مخطط الجريمة – نفسه في الفخّ ذاته، عندما توهم أنه قادر من استغلال شساعة حقول اهتمامات الشيخ،وتعدد الخصوم،ممنياً نفسه بالنجاح في ذلك،معتقداً أن دم الشيخ سوف يذهب هدراً!

1-حقل السلطة:

طبيعي ، أن هذا الحقل ليأتي في مقدم كل الحقول،ليس لمحورية دور السلطة،وإنها المسؤول الأول عن حياة أي – مواطن – لا سيما إذا كان هذا المواطن من طراز الشيخ معشوق:مفكّراً – ذا رأي مختلف،له حضوره المحلي،والعربي والدولي ، وهو بهذا ليختلف عن أيّ خطيب جامع ، أو وزير أوقاف ،تنتهي مهمته،بانتهاء المرسوم الذي تعين بموجبه،واستبداله بآخر…!

صحيح،أن الشيخ معشوق، كان يجاهر بانحيازه إلى مشروع الإصلاح في سوريا، ويعوّل عليه، في بداياته ،إلى أن أنبّهه بعيد -العفو الرئاسي-عن معتقلي أحداث 12 آذار بألا يدفعه جموح العاطفة ،أو الآراء الطارئة عند حدود متبني رؤى هذه الشخصية السياسية الكرديّة،أو تلك ، لئلا ينجرف مع ما هو آني، بل ما هو ستراتيجي،وأحدثه عن وجهة نظري بأن هؤلاء الأكراد لم يخطئوا حتى يتم إعفاؤهم، بل وأيّ مرسوم يعيد الشهداء إلى الحياة،وهوما اندهش به،وتبناه في ما بعد في تصريحاته وكلماته اللاحقة !

طبعاً،لقد حدثت الشيخ في آخر لقاء مطوّل بيننا،قبيل سفره الأخير، حول قضايا كثيرة، طلب مني أن أناقشه حولها،وأقوّم بعض خطواته، فبينت له أن عدم اشتغاله في مجال السياسة، ناهيك عن أن تربيته الأولى على – الطيبة – والبراءة ، تجعله في بعض الأحايين يأخذ بآراء سواه،ممن لا تعني العثرة التكتيكية عندهم شيئاً ما ، على عكس حالته التي يسجل كلّ شيء في صفحته ،له أو عليه ، ولقد كان المرحوم الشيخ عز الدين،قد حذّر أسرته ،كما حال عائلة الخزنوي – عموماً – من الاشتغال في السياسة ، وكان نتاج لقائنا هذا سيثمر كثيراً ، وعلى عدة أصعدة،ويعيد النظر في بعض علاقاته ، لكن،للأسف ، لم يكتب له المزيد من العمر!؟.

إن من يعد إلى خطب الشيخ ،ويقرأ الحوارات التي أجريت معه،ويطلع على المداخلات والمساهمات والتصريحات التي صدرت عنه في هذا الملتقى،أو ذاك ، سيتأكد أنه كان حرباً بلا هوادة على آلة الخطأ ، غير مساوم من أجل الحقيقة،ليصنّف مع أولاء الرجالات القلة الذين لم يخافوا على أرواحهم في تسمية "مواطن" القبح في السلطة السياسية،وذلك منذ أن اختار مساره الخاص،وبدأ رحلة الغربة منذ 1989 ،مستقطباً من حوله آلاف الشباب في ادلب ، وحلب،ودمشق،والجزيرة،بل وعلى امتداد خريطة سوريا…!

إن السلطة السياسية ، نظرت إليه بحذر،فقد تمت محاولة إبعاده عن أكثر من مسجد،وتم تأليب بعض أبواقها ضدّه في الجوامع،أو من خلال بعض الكتبة الجدد،بل ومصادرة كتابه:ومضات في ظلال التوحيد. لمجرّد أنه ذكر فيه أنه من أسرة من "كردستان"،وكان أن تمّ توقيفه في الذكرى الأولى ل12 آذار عند مدير منطقة – قامشلي – لأكثر من ساعة، وهو نفسه توقيت إحياء ذكرى هؤلاء الشهداء في مقبرة – قدوربك – التي سيوارى جسده الطاهر-ولا أقول جثمانه- فيها أخيراً،وذلك بطريقة دبلوماسية، ناهيك عن استجوابات كثيرة تعرّض لها،لا تحصى ،وصلت إلى الحدّة كما في بعض الحالات،ولقد حدثني أنه كان يستجوب بعد عودته الأخيرة من أوربا في أحد فروع الأمن في دمشق ، فسأله المحقّق وهو يرى شريطاً إخبارياً ظهر على شاشة التلفزيون في مكتبه عن تجديد

الكونغرس الأمريكي العقوبات على سوريا ، ترى متى ستفكّر أمريكا بالكفّ عن مثل هذا الحصار والتهديد لسوريا، فأجابه بفراسته المعهودة وفي إهاب المزاح: حين تفكّرون بالكفّ عن محاصرتي وأمثالي، أو كما صحح لي القول الشيخ مراد (متى

تتركونني يتركوكم؟) ويمثل- الآن- في ذاكرتي،ما رواه لي – وما أكّده في ما بعد شهود عيان – عن متابعة دورية أمنية له في مدينة – رأس العين – سري كانيي – عندما ذهب ليهنّئ معتقلي 12 آذار ،بالإفراج عنهم،وكان قد زار كافة مدن منطقة الجزيرة

آنذاك،وأوضح أن تلك المتابعة وصلت إلى حدّ المطاردة،وأنه راح يتلذذ بتضليلهم، وهو يخرج من المدينة قافلاً إلى قامشلي

لقد صعد الشيخ معشوق – نشاطه – كرديّاً،حيث حضر احتفالات نوروز 2004 – وهو ما تمّ لأول مرّة من قبل رجل دين ذي مكانة مرموقة ، رغم أن بعض أئمة الجوامع كانوا قد دأبوا على شن حملات تكفيرية ضدّ هذا العيد الكردي،وأتذكّر أنني في صباح نوروز عندما هتف إلي سائلاً إياي عن موقع الاحتفال ليشارك فيه، كدت لم أصدق أذني، وأنا أبتهج بسماع صوت الشيخ،وهو يزفّ إلي هذه البشارة..!

عموماً ،لم يترك الشيخ معشوق أية مناسبة كردية، إلا وكان يشارك فيها ولقد حضر حتى عيد الصحافة الكردية ،وإن لم يتسنّ له تقديم كلمته ،وهو ما جعلنا نخسر رأيه وصوته في هذه المناسبة العزيزة!

كما أن الشيخ تحدّث بجرأة كبرى عبر الفضائيات:العالم – روج – وعبر المقابلات التي أجريت معه،حول قضايا جدّ حساسة، يأكل سواه – جبنهم بجبنهم – حين يتحدثون عنها ، بحسب مقولة هادي العلوي ، ولاسيما في ما يتعلق بالعمليات الإرهابية

التي يعدها هؤلاء مقاومة..!

طبعاً، أن – قرائن كثيرة متوافرة كلها تدل على مضايقة السلطة له ، ولعل أكبر دليل على مثل هذا الكلام هو أن محاضرة له بعنوان: العولمة والإسلام – منعته مديرية الثقافة بالحسكة،وكل هذه المضايقات دعته ذات مرة،وبعد أدائه لأركان – خطبة الجمعة – في جامعة ، اقتصر محاضرته على عدة كلمات هي : حسبنا الله ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم،ثم نزل من المنبر، وهو ما عرضه للمساءلة آنذاك

فأجابهم:حين أتحدث تمنعوني،وحين أصمت تمنعوني … فماذا أفعل؟ , وهو هنا ، استعاد ما قام به عثمان بن عفان في إحدى خطبه هو الآخر – قبل اغتياله ببضعة أشهر،عندما كان هو الآخر في محنة مماثلة،ولعل دفع كليهما – حياته – في ما بعد ، ضريبة لمواقفه ، كان دليلاً على صدق نبوءتهما كل من أجل قضيته…!

إن التهديدات التي سمعها الشيخ محمد معشوق من قبل بعض رموز السلطة- كما أعلم أولاده ومن حوله –جعلته يصرّح لهم علنا أنه مستهدف من قبل السلطة، وهو ما كان يدفعه لإعلامهم بلقاءاته ومواعده اليومية ، من دمشق ، حيث كان يقيم أكثر أيام

الأسبوع ، ولعل هذا ما يدفع أبناءه للشك بأنه قد يكون قد أعتقل في مساء الأثنين9- 5-2005 من المكتب- مكتب الدراسات الإسلامية- الذي كان ينام فيه ، نتيجة ضيق ذات يده ، وليس في صباح الثلاثاء كما أشيع ، وهذا الهاجس – تحديدا

ً – كان يدفعه، لحمل –خطين هاتفيين محمولين، أحدهما معروف يتصل به مع العامة ، وآخر – خاص –لا يعرفه إلا قلة، قليلة من أهله ، والثقاة من حوله …..

يتبع…………………………..