ثورة الحسين …قراءة كردية – الدكتور الشيخ مرشد معشوق الخزنوي

خاص لمجلة بيور الثقافية
السبت 12 يناير2008م، 04 محرم 1429 هـ
لم يدرك صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحابته وسلم  عندما امروا بصيام العاشر من محرم ، عندما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود المدينة عن صيامهم لليوم العاشر من محرم بعد وصوله الى المدينة مهاجراً هارباً من ظلم وطغيان صناديد قريش ، فاجابوه انه يوم صالح يوم نجى الله فيه موسى من عدوه فرعون ، فصامه رسول الله وامرصحابته بصيامه ، عندها لم يدر في خلد الصحابة ان هذا اليوم سوف يعرف بعاشوراء وسوف يرتبط بسفك دم طاهر في كربلاء ، وأن هذه المأساة سوف تبقى عالقة في الأذهان لا تنسى ، ويطغى لون الدم الطاهر المسفوك على صيام اليوم نفسه .
نعم إن احداث العاشر من محرم بعد صيام رسول الله اختلفت عما قبلها ، وما بعدها طغت لفظاعتها على ما قبلها المفرح ، قبل صيام رسول الله كانت العاشر من محرم  يوم فرح وعيد ، يوم انتصار وقوة ، يوم نجى الله فيه موسى من عدوه وطاغيته وظالمه فرعون ، لكن بعد صيام رسول الله بمدة ، ستتحول الى وصمة عار على جبين التاريخ ، لأن الباطل استطاع للحظات اسكات صوت الحق ، و لأن الباطل استطاع للحظات أن يسيل الدم من سيد شباب اهل الجنة ، حفيد رسول الله ، ولد فاطمة الزهراء والإمام المكرم علي ( حسين ) ، ويساق بنات رسول الله جوارى الى قصر ابن زياد في كربلاء . 
انها كربلاء ، وهي من الكرب والبلاء العظيم الذي كان فيها ، ولعظمها قيل : كل يوم عاشوراء وكل مكان كربلاء ، وهذا حق ، فمشهد الحسين عليه السلام مظلوماً مغتصباً حقه يتكرر في كل يوم وفي كل مكان  ، ويزيد واين زياد والحجاج كطغاة وظلمة يغتصبون الناس اشيائهم هو ايضا مشهد يتكرر كل يوم وفي كل مكان ، طغاة اتخذوا من بعضهم على مر التاريخ قدوة فهم سلسلة متتابعة وحلق منتظمة ، لم ولن يبالوا بأية قيم ولا اخلاقيات ولا عظمة وقدرة إله ، ولا حرمة لرسول ، ويجمل افترأتهم وخداعهم بغطاء مزركش من الدين ، ويساعدهم ادعياء من اهل العلم يحاولون عبثاً الباسهم حلية الدين ، يخادعون به الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا انفسهم ، مشهد يتكرر كل يوم وفي كل مكان ، ظالم يريد ان يقتل ، وينتزع الحق ، ويسسيل الدم في الشهر الحرام ، ومظلوم لا يرضى الدنية ، يدفع عن نفسه الظلم والذل ، فرحمة الله على الامام الحسين ، ويا أرض الظالمين ابلعي ماءك،  ويا ميادين السفَّاحين اشربي دماءك، فلعنة الله وملائكته والناس أجمعين على من قتل الحسين أو رضي بذلك .
ثورة الامام الحسين المباركة ووقفته البطولية في كربلاء هي أكثر من أن تحصى ، وأنوء بنفسي عن تفاصيل الاحداث في كربلاء فتلك احداث لا اطيق سردها لهولها وعظمها  ،  اضافة الى انها اصبحت معلومة لدى القاصي والداني على اعتبار ان الحسين وثورته أعظم واكبر من أن تحيط به مقالة كهذه ، غير ان ما يلفت النظر في الحدث كله مقولة قيلت بعد الحدث ، وهي مقولة اطلقها الزعيم الهندي غاندي الذي درس الحسين وملحمة كربلاء جيداً ، ومن ذاك قوله :  لقد طالعت بدقة حياة الحسين، شهيد الإسلام الكبير، ودققت النظر في صفحات كربلاء واتضح لي أن الهند إذا أرادت إحراز النصر، فلا بد لها من اقتفاء سيرة الحسين ،  فإنني تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر .
لقد أصبح الحسين عليه السلام رمزاً للثائرين في كل مكان من الأرض ، وفي كل الأديان والملل ، ومن عجائب هذه الثورة المقدسة هو استمراريتها ، فبعد أكثر من ألف وأربعمائة سنة لا تزال شعلتها تتقد في النفوس الخير ، وأضحت مناراً للمستضعفين ولطلاب الحرية ،و كربلاء الحسين تأريخ حي يتجدد، وهي المدد الدائم الذي يعطي ويتألق، وشخصية الإمام الحسين عليه السلام قيادة قدوة تلهم الأحرار في كل مكان ، فهل نظرت الأمة الكوردية المظلومة الى الحسين وملحمة كربلاء ، وهل استلهم الشعب الكوردي المناضل في نضاله من ثورة الحسين بن علي كرم الله وجهه ، وحتى لا اطيل ولا استطرد في الشرح والانشاء استوقف عند عوامل ثلاث في ثورة الحسين على سبيل التمثيل لا الحصر فثورة الحسين مدرسة يعجز مقال كهذه الاحاطة بكل جوانبه كما اسلفت  ، هذه العوامل الثلاث التي اتمنى يوماً ما ان يسير الشعب الكوردي عليه ، فعندها نكون على الطريق الصحيح في نضالنا ، ونودع عقود من نضال متشتت ، هذه العوامل الثلاث هي :
أولاً: العامل الإلهي اوالروحي:
في وصيته التي أوصى بها أخاه محمد ابن الحنفية يقول الامام الحسين : { ألا وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً وإنَّما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي ، فمن قبلني بقبول الحق، فالله أولى بالحق، ومن ردّ علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين }.
ومن خلال هذه الوصية ، ومراجعة خطب الامام الحسين  ورسائله التي خطبها وأرسلها إلى المسلمين في مختلف بقاع الأرض ، يتبين وبشكل جلي وواضح ارتباط الامام بالله ، على اعتبار ان ارتباط الثورة بالله تجعلها اكبر من الحاجات والغايات النفسية والشخصية الرخيصة للانسان ، بل تكون على أساس موازين الحق والعدل والإحسان والمصالح الإنسانية الحقيقية، وتجنب المفاسد والأضرار التي تجعل الإنسان بعيداً عن الأهواء والميول، أو المصالح والرغبات الذاتية .
وكما هو معلوم ، ولا اريد نبشاً للخلافات ولا الماضي ، وانما ارى أن كل هذه السنين التي مرت لم ينزل من قلوبنا اس الخلاف ، فترى هنا وهناك من يتداعى لتذكير ذلك ، ولكن لو نظرنا الى البارحة بعين ناقد محب ، ومريض يستحث الدواء ، نجد ان احزابنا الكردستانية لم تدرس ملحمة كربلاء ، وبالتالي لم تنتبه الى هذا العامل الذي نتحدث عنه ، وإلا لما تقاتل الاخوان ، ولم ذبح بعضنا بعضاً إذا كانت اهدافنا إلالهية ، وفي غربي كردستان لما انبثق من الحزب الواحد اربعة عشر حزباً إذا كانت اهدافانا إلالهية ، ولو عدنا الى جميع الناقدين لتلك المرحلة والى الآن من عمر الحركة السياسية في غربي كردستان لوجدنا شبه إجماع أن الحركة لم تعتمد على العامل الالهي وانما مصالح شخصية تجسدت في الكرسي الواهي . 
و احزابنا الكردية عندما تتجرد من ذاتياتها وحزبيتها وتلتفت الى قضية شعبها، واخذت أمل الجماهير وحقوقهم في الحسبان وغلبتها على مصالحها الحزبية  تكون قد حازت البعد الإلهي لثورتها وقضيتها  لان النبي صلى الله عليه وسلم يقول {الخلق عيال الله واقربهم اليه انفعه لعياله } .
ثانياً: العامل  العلمي
مما تقدم من وصية الامام الحسين لأخيه محمد بن الحنفية نرى  شعار النهضة واضحاً ، وعندما خرج الامام الحسين الى مكة بعدما رفض طلب والي المدينة الوليد بن عتبه البيعة ليزيد ، بأنه رجل فاسق، شارب للخمر، قاتل النفس المحرَّمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله ، أصر في طريقه الى مكة بالمسير في الطريق العام ليعرف الناس بنهضته وغيرذلك كثير يفهم منه إن الإمام الحسين كان مهتماً بمسألة التخطيط العلمي للثورة والهدف المعلوم وهو الإصلاح والإطاحة بنظام يزيد وإقامة الحكم العادل ، وعلم أن سياسة الاسعافات الأولية التي اتبعها اخوه الحسن رضي اللهعنه لم تجر علىالحسن إلا قتله .
وملاحظ أن الحركة الكوردية ايضا متغافلة عن هذا العامل ، وذاك واضح وضوح الشمس في رابعة النهار ، فالحق واحد لا يتعدد ، فإذا كنا جميعاً مخلصين ، واذا كنا جميعا مناضلين عن الحق ، واذا كنا جميع على حق ،فلما هذا الكم المسيء من الاحزاب .
إن علينا نحن الكورد ان نستلهم من ثورة الامام الحسين ، ونستجمع صفوفنا ، ونوحد إرادتنا ، ونعي تماماً أن سياسة الاسعافات الأولية كما أنها لم تجر على الإمام الحسن إلا قتله ، فهي لن تجر علينا نحن الكورد ايضا إلا محونا من الوجود من قبل ظالمينا ومحتلي أراضينا ، وعلى الخيرة والصفوة من ابناءنا أن تتحاور وتحدد الهدف والمطلب والخطوط الحمراء التي لا يمكن بأي حال من الاحوال تجازوها ، والخطوط الصفراء التي يمكن التضحية بها اذا لزم الامر ، وذلك حتى لا تكون  ثورتنا ونضالنا  مجرد انفعالات عاطفية وانعكاس للواقع الفاسد فتلك لا تعتبر ثورة ناجحة، ولا عملية تغييرية بنّاءة تهدف إلى العدل والإحسان واسترجاع الحقوق المغتصبة ، وأما الثورة التي يمكن أنْ تحقق نجاحها وتصل إلى أهدافها فهي تلك الثورة التي تخطط للانتفاضة على الظلم والظالم والخلاص من الذل والعبودية والفساد، ويكون لدى رجالها العزم والتصميم والإرادة على التغيير والتضحية والبذل والعطاء من أجل تحقيقه، وهذا ما أراده الله تعالى من المؤمنين في قوله عزَّ وجلَّ: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً}
ثالثاً: العامل الإعلامي :
واعني به الشعارات الصريحة الواقعية والمفاهيم الحقيقية التي لا تقبل التشويه والتزييف من قبل الجهات الإعلامية المضادة التي تستخدم التشكيك في المفاهيم والعقائد، وذلك من أجل التحرك عادة للقضاء على الثورة والنهضة، ووأدها في مهدها، فلابد من محاربة هذه العناصر المشككة فكرياً وسياسياً واجتماعياً حتى يتم الحفاظ على الثورة وقيادتها وجماهيرها المتفاعلة معها فكرياً وعاطفياً.
ونحن نجد أن الشعارات التي رفعها الإمام الحسين منذ بداية ثورته ونهضته والتي تمثل البعد الإعلامي كانت صريحة واضحة بحيث لا تقبل التشويه والتزييف والتشكيك مدى العصور ، فالحسين قد أعلن هدف ثورته ، وهو تخليص الأمة من حكم يزيد وبني أمية، وكان التحرك من أجل هذا الهدف ، وإن كان يعلم ويعرف أن هذا الهدف وهو سقوط الحكم الأموي لن يتحقق إلا بعد أحقاب من الزمن، ولكنَّ السعي لتحقيق هذا الهدف كانت له آثار مهمة في توعية الأمة ضد الظلم والاضطهاد ورجوعها إلى الإسلام، وبذلك تتجلى عظمة الإمام الحسين وروح التضحية التي يتحلى بها وقوة العزيمة والإرادة والتصميم التي يحملها.
وهذا عينه ما هو مطلوب من الحركة الكوردية لنجاح قضيتها ، فإن السياسة المتبعة اليوم هي سياسة المعايير المزدوجة ، والشعارات المتعددة الأوجه حتى بات الكوردي لم يعد يعرف حقوقه وغاياته التي ضاعت بين اهواء الفرق المتنافسة ، وتلك لا تليق بأحزاب تناضل لنيل حقوق امة عظيمة كالامة الكوردية ، لأن تلك السياسية هيسياسة مذمومة خصها الله بالمنافقين فقال (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ) .
على ان هذه العوامل مرتبطة ارتباطاً وثيقة بالعامل الجماهيري، فعند عدم الاكتراث بهذه العوامل كما هوحاصل كردياً ، نجد أن هذه الاحزاب غائبة جماهيراً وفاقداً لألية التفاعل معها ، وتلك هي القاصمة ، فما قيمة نضال احزاب في ظل عدم فهمها لاهداف الجماهير ، ورفض الجماهير لها ، في هذه الحالة يكون هذا النضال اشبه ما يكون بأعمال الكافرين الذين يأتون يوم القيامة فينظرون الى اعمالهم فيجدونها اصبحت هباءا منثورا.
إن ثورة الحسين رضي الله عنه عظيمة ، وكثيرة هي جوانب التميز في ملحمة كربلاء،  واعلما مسبقاً أن مقالة كهذه لن تفي بغرض الاحاطة بهذه الثورة ، لكن هذه المقالة إن كانت تعني شيئا فإنما تعني صرخة مدوية الى كل المخلصين من اخواننا السياسيين الكورد لكي يدرسوا ملحمة كربلاء جيدا . والسلام على الحسين يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيا