في ذكرى شيخ الشهداء حوار مع الكاتب والأكاديمي الدكتور أحمد أبو مطر

حاوره : هدى صبري
محررة بموقع ( 
www.khaznawi.de 
تقدمة الضيف :
الأخوة القراء : يسعدنا في هذه الحلقة أن نستضيف الكاتب والأكاديمي الفلسطيني الدكتور أحمد أبو مطر .
ـ الدكتور أبو مطر من مواليد مدينة ( بئر السبع ) – فلسطين المحتلة – عام 1944 ،  أربعة سنوات قبل ضياع فلسطين الذي أطلق عليه العرب اسم (نكبة) من باب تخفيف وقع الحدث حسب تعبير الدكتور الضيف ، حاصل على درجة الدكتوراة في الأدب و النقد بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف ، من جامعة الإسكندرية بمصر ، وعمل مدرسا في جامعة الفاتح في ليبيا ، و جامعة البصرة في العراق ، له العديد من الكتب المطبوعة باللغة العربية والكثير الكثير من المقالات والدراسات المتنوعة ، سكن دمشق و أسس فيها  (دار صبرا للدراسات والنشر)، إلى العام 1990، حيث طرد منها بسبب كتاباته المؤيدة لمنظمة التحرير الفلسطينية، كعادة النظام السوري في التعامل مع من يختلفون معها  ،من أبرز من ساندوا القضية الكوردية وله إسهامات كثيرة في ذلك .
ـ التقى بالشيخ الشهيد الدكتور معشوق الخزنوي وكتب عنه.
ـ وبمناسبة الذكرى الرابعة لاستشهاد شيخ الشهداء الدكتور معشوق الخزنوي كان لنا معه هذا اللقاء  .
صبري : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا بك دكتور أحمد أبو مطر ضيفاً عزيزاً وغالياً على أحبابك وأصدقائك الكورد .
الدكتور ابو مطر : مرحبا بكم جميعاً ، وأشكركم على هذه الفرصة الثمينة كي ألتقي مع أصدقائي الكرد كشعب مضطهد مثل شعبي الفلسطيني ، لكن الاضطهاد الواقع على الشعب الكردي في سوريا تحديداً وقعه مضاعف حسب قول الشاعر العربي:
وظلم ذوي القربى أشد مرارة       على النفس من وقع الحسام المهند
لذلك أقول دوماً مقاربة مع الصديق الكردي أشعر أنني كردي وأنه فلسطيني ، خاصة لا يمكن أن أنسى الشباب الكورد الذين قاتلوا واستشهدوا معنا في المنظمات الفلسطينية دفاعا عن القضية الفلسطينية وشعبها.
صبري : دكتور احمد كما تعلم تمر هذه الأيام الذكرى الرابعة لاختطاف واغتيال شيخ الشهداء الدكتور معشوق الخزنوي على أيدي المخابرات السورية ، ماذا تقول وأنت تتذكر هذه المناسبة الحزينة ؟.
الدكتور ابو مطر : هذه ليست فقط ذكرى حزينة ولكنها مأساة بمعنى الكلمة ، لأن النظام القمعي الاستبدادي المجرم في سورية استهدف علماً من أعلام التنوير الكردي والعربي ، فقد كان الشهيد الشيخ الدكتور معشوق الخزنوي من الشخصيات المبهرة للغاية بفكرها الإسلامي الحضاري الذي يعرف كيف يتماهى الإسلام العظيم مع روح العصر ، ومن خلال ذلك كان داعية للحرية والعدل والمساواة التي هي روح الدين الإسلامي ، لهذا عرف النظام السوري المجرم أن هذا الفكر التنويري الداعي للحرية والمساواة ورفع الظلم أخطر عليه ممن يحمل السلاح ، من يحمل السلاح إذا أطلق رصاصة فهي تصيب شخصا واحدا ، ولكن الفكرة التي كان يطلقها الشهيد الخزنوي كانت تختزن في عقول وضمائر ألاف من الكرد والعرب ، وعند التفكير في هذه الفكرة يدركون مدى استبداد النظام وفساده ، فيتحركون بأي شكل يستطيعون لردع هذا النظام ، لذلك كان اغتيال الشيخ الشهيد بشكل سافر لا يدع أدنى شك أن مخابرات النظام المجرم هي التي اغتالته لدرء خطر أفكاره التنويرية .
صبري : حادثة اغتيال الشيخ الشهيد جاءت من خلال اختطافه في العاشر من آيار 2005 إلى اغتياله في الأول من حزيران 2005، وهذه أول حادثة يلجأ فيها النظام السوري إلى تصفية خصومه ومعارضيه بالاختطاف ، برأيك وأنت الخبير بأحوال الأمن السوري ونظامه حيث ذقت المرارة من كأسهم لِمَ لجأ النظام السوري إلى الاختطاف ومن ثم الاغتيال ؟ . 
الدكتور ابو مطر : يقولون في علم الجريمة لا توجد جريمة كاملة السرية ، فمهما كان القاتل ذكياً في إعداد سيناريو جريمته ، فلا بد أن تبقى بعض الثغرات التي تشير لهوية المجرم ، لقد وضع مجرموا النظام السوري سيناريو تصفية الشهيد الشيخ بهذا الإسلوب الغبي كي يوهموا الجماهير الكردية أن عملية الخطف والقتل لها طابع شخصي وعشائري ، فقد تم استدعاءه هاتفياً من مكتب أحد المسؤولين في دمشق  وخرج للقاء يوم العاشر من مايو ، ثم أخفوه عشرين يوماً ليلقوا جثته في مدينة أخرى بعيداً عن دمشق ، العشرون يوماً هذه كانت كافية كي تطرح المخيلة الشعبية العديد من التكهنات حول اختفاء الشيخ ، وبالتالي تضيع الحقيقة عند اكتشاف جثته بعد عشرين يوما ، أي أن المجرمين القتلة كانوا يعتقدون أنهم قادرين على إخفاء مسؤوليتهم عن هذه الجريمة البشعة ، تماماً كما قتلوا وزير داخليتهم غازي كنعان وأعلنوا أنه انتحر ، وكما قتلوا العميد محمد سليمان في اللاذقية عبر قنصه من البحر وهو على شاطىء البحر ، والملاحظ أن هؤلاء الذين قتلهم النظام لهم علاقة مباشرة باغتيال الشهيد رفيق الحريري. كذلك أراد النظام المجرم من خلال هذا السيناريو الذي اعتمدوه لقتل الشيخ الشهيد إخافة الشخصيات المعارضة الأخرى على أساس أن مجرمي النظام لديهم قدرات واسعة في القتل .
صبري : الشهيد الخزنوي عالم إسلامي كانت له آراء تنويرية جريئة ودعوته أيضا كانت واضحة إلى تجديد الخطاب الديني ، كيف تنظر إلى آراء الشيخ الدينية ؟
الدكتور ابو مطر : كما أشرت سابقاً أهمية أفكار الشيخ الشهيد الدكتور معشوق الخزنوي تكمن في قدرته على تطوير آلية التفكير الإسلامي لتناسب العصر دون الإخلال بمضمون وأصول هذا الفكر ، فهو كان شجاعاً وعاقلاً في طرحه لضرورة سيادة التفكير الإسلامي العقلاني البعيد عن العنف ، وفي الوقت ذاته لم يكن يكترث بإقامة أية علاقة مع مؤسسات السلطة القمعية على حساب دوره التنويري النضالي ، لأنه كان يعي ( أنّ أفضل الجهاد كلمة حق أمام سلطان جائر ) كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهل ينحاز بوقاً للنظام كغيره من الشيوخ الوصوليين ، أم يحترم ويطبق قول الرسول صلى الله عليه وسلم ؟، ويكفي أن أتذكر بعض الأفكار التي سمعتها منه مباشرة في محاضرته في مسجد آزادي في أوسلو ، ليتأكد القارىء أن كل فكرة منها تحتاج لبحث ودراسة موسعة ، لكن أسلوبه الشيق البسيط يدخل العقول بسرعة أيا كان مستوى ثقافة المستمع ، من هنا كانت خطورته على النظام السوري القاتل ، لأن سلاحه الكلمة الصادقة التي لا يخشى صاحبها لومة لائم في قول كلمة الحق ، من هذه الأفكار :
1 . أنا بعيد عن خط وتجمع العائلة لأنني لا أبحث عن المريدين والمصفقين ، أنا أبحث عن كيفية إيصال كلمة الحق للجماهير المغلوبة المضطهدة ومنها شعبي الكردي.
2 . للأسف الشديد أغلب ممارسات العرب تصب في استثمار الإسلام لمصالحهم الخاصة.
3 . كل شعب من الشعوب من حقه أن يمارس العبادات بلغته الخاصة ، لكن اللوبي العربي في الإسلام يرفض ذلك رغم أنه منطقي وعقلاني ويخدم رسالة الإسلام وانتشاره.
4 . الإسلام ليس نظاما سياسيا .
5 . من أهم أسس رسالتي إعطاء أهمية لواقع الإنسان الكردي لأنني كردي ، وإن سألوني ماذا أسمي أحداث 12 آذار أقول إنها انتفاضة بمعنى الكلمة .
هذه نماذج فقط من أطروحات الشيخ الشهيد التنويرية العقلانية التي تخاطب العقل فقط ، وترفض الإرهاب ومصادرة الآخر باسم الإسلام خاصة من الشيوخ والملالي الذين جعلوا من أنفسهم وكلاء لله تعالى في الأرض .
صبري : يقول الشيخ الشهيد في كراسة كتبها ، ( إنني أشعر بمرارة لا لأنني لم أكن أتوقع المعاناة التي مررت بها ولاقيتها من أهلي وكل الذين يستفيدون من ثمار التيار التقليدي لكن شعوري بالمرارة ناتج من أنني لم أكن أتوقع ما لاقيته من علية القوم والذين يدعون التقدم والتطور ويدعون أنهم في خندق الإصلاح والتغيير إلى الأفضل في حياة الأفراد والمجتمعات , وإنني حين أعبر عن مرارتي لا أشكو فالشكوى مستمرة منذ عام1989 لم تعط أية ثمار ذلك لأن قضاياي كانت دائما وخاصة تلك التي تتعلق باستنهاض الناس وتوعيتهم وإخراجهم من عبادة العبيد إلى عبادة رب العبيد أقول : إن هذه الشكاوى كانت في الغالب تتلاشى في مهب الريح ضحية مساومات وحسابات لا دخل لأمن البلد ولا لمصلحة العباد فيها ) ، وهذه المعاناة نراها ملازمة لدعاة التجديد في كل زمن وأنت أحدهم ، برأيك لماذا .
الدكتور ابو مطر : هذا طبيعي لأن أغلب دعاة التجديد والتنوير العقلاني لاقوا الصعوبات والمضايقات في مسيرتهم ، وكانت هذه المضايقات كما قال الشيخ الشهيد من علية القوم وأعتقد أنه كان يقصد ليس رؤوس النظام المجرم فقط ، ولكن الشيوخ من علية القوم الذين وضعوا مشيختهم الزائفة المتملقة في خدمة النظام ، وهذه إحدى أخطر مشاكل ومعوقات التجديد الديني المطلوب لمواكبة العصر ، وما يريده الشيخ الشهيد أن يعبد الناس رب العبيد أي الله تعالى تبدو مأساويتها اليوم عندما نجد غالبية الشيوخ والملالي في كل قطر مجرد أبواق للنظام على حساب مبادىء الإسلام الأساسية ، خاصة تفصيل الفتاوي على مقاس العبيد المتسلطين على رقاب شعوبهم ، وكمثال فقط مفتي النظام السوري قبل انعقاد القمة العربية الأخيرة في دمشق ، أصدر فتوى تقول أن حضور الرؤساء والملوك العرب شخصيا للقمة فرض عين !! من يتخيل هذه المسخرة ؟
صبري : تمر الذكرى الرابعة والقتلة لازالوا أحراراً ، كما أن ملف القضية لدى السلطات السورية مركون على الرف تحت بند ممنوع اللمس ، كما أن لجنة المحامين المشكلة من قبل عائلة الشهيد لم تتمكن حتى الآن من الإطلاع على الملف ، كيف يمكن للأحرار الحصول على حقوقهم  ومقاضاة ظالميهم  .
الدكتور ابو مطر : لن يسمح لأحد أن يفتح ملف اغتيال الشيخ الشهيد لأن القتلة هم من عصابات النظام ، والمجرم القاتل لن يسمح بالبحث في ملفات جرائمه ، الطريق الوحيد هو مواصلة النضال تحديداً السلمي ضد هذا النظام القمعي ، وهناك حتمية تاريخية كلما زاد النظام الديكتاتوري من جرائمه اقتربت نهايته .
صبري : كلمة أخيرة توجهها إلى أصدقائك الكورد .
الدكتور ابو مطر : كلمتي الأخيرة لأصدقائي الكورد هي ضرورة التنسيق في كل المجالات لتصعيد النضال والاحتجاجات السلمية ضد النظام ، لأن هناك شرذمة في صفوف الحركة الوطنية الكردية لا يستفيد منها إلا النظام القاتل ، وليس شرذمة فقط بل هناك تيارات رغم محدوديتها تعمل لخدمة النظام ونفي جرائمه بحق الكورد ، وهذه الحالة شهدتها أغلب الحركات الوطنية بما فيها الفلسطينية …وفي النهاية لا بد أن تنتصر إرادة الشعب الكردي رغم أنف العنصريين العرب والفرس والترك.
في نهاية اللقاء الشكر الجزيل لكم الدكتور أحمد أبو مطر ، متمنين للفلسطينيين والكورد الاستقلال والحرية والعيش الرغيد وأن يعم السلام العالم أجمعه