محمد مأمون الحمصي: الشيخ الشهيد الخزنوي مفكر إسلامي يلتزم الديمقراطية كخيار استراتيجي

دمشق- حوار : هدى صبري
1
محمد مأمون بن عادل الحمصي من مواليد دمشق عام 1956 من عائلة دمشقية أصيلة، عُرفت بتحسسها لمشكلات البلد وهموم أبنائه وناضلت من أجل الجلاء وتحقيق طموحات البلد.

انتخب الاستاذ الحمصي عام 1990 في مجلس الشعب واعتقل في قضية سياسية رغم الحصانة البرلمانية التي رُفعت بقرار منفرد من رئيس مجلس الشعب، دون عرض القضية على هيئة المجلس الكاملة فأصبح أول نائب سوري يُدان أمام المحكمة في قضية سياسية، وهو عضو في مجلس الشعب، وأول نائب يفقد عضوية مجلس الشعب لأسباب سياسية، وأول نائب يُجرد من حقوقه المدنية.

بعد خروجه من المعتقل استقر في بيروت إلا أن أزلام البعث لم تتركه في مأمن يل استمرت في مطاردته او فعل أي مكروه به مع تسلحه بصدق الرسالة التي يحملها.

وبمناسبة الذكرى الرابعة لاستشهاد شيخ الشهداء الدكتور معشوق الخزنوي كان لنا معه هذا اللقاء.

صبري: الأستاذ مأمون نرحب بك في مستهل هذا اللقاء ونرجو الله العلي القدير أن تكون في مأمن من أيدي البعث الأسدي بعد المضايقات والمطاردات المتكررة لكم خلال رحلتك بعد خروجك من السجن الصغير فالسجن الكبير فالمهجر القسري.

الحمصي: بداية أتقدم لكم بالشكر والامتنان لموقعكم الكريم على هذه الفرصة مع ألم الذكرى وبشاعتها.

في الحقيقة إن الظروف التي تعرضت لها هي نتيجة حتمية للطريق الذي اخترته وهو مواجهة الاستبداد والقهر والظلم المتوحش الذي لاحدود له قمعا وإجراماً وإبادة، وهذا الواقع ليس محصور بالأشخاص أو المجموعات بل سلوك يشمل كل أبناء الوطن أطفالاً وشيوخا ونساء ورجالاً وبأساليب وطرق مختلفة رعبا وتجويعا وتخويفا وتخوينا يشمل كل أبناء الوطن بمختلف أعراقهم وأديانهم ومعتقداتهم، ضمن سوريا وخارجها ولكن الذي يختلف هو إننا استطعنا بفضل الله ودعم شعبنا أن تكون صرختنا خارج ظلام وفبركة هذا النظام.

صبري: أستاذ مأمون تمر هذه الأيام الذكرى الرابعة لاختطاف واغتيال شيخ الشهداء الدكتور معشوق الخزنوي على أيدي المخابرات السورية، ماذا تقول وأنت تتذكر هذه المناسبة الحزينة في تاريخ شعبنا؟
الحمصي: في الحقيقة إنها ذكرى أليمة لفقدان أمل كان ناصراً للحق وداعماً للمستضعفين والضعفاء، فأرعب وحوش الظلام ولم يجدوا طريقاً إليه عبر عطاءهم السخية أو رعبهم المتوحش الذي قل من يصمد في وجهه فأربكهم بصموده وبوفاء أهله وأحبته، فتحول إلى  مشروع ثورة متجددة لن تتوقف إلا بسوق الديكتاتورية ومحاسبتها على دم الشهيد وكافة الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب السوري  بكرده وعربه وكافة أعراقهم ودياناتهم وإنتماءاتهم .

كان رحمه الله أملاً ومثلاً لنا، وكان ذا شخصية متنورة معتدلة لم يكن متعصباً أو متحيزا إلا للحق، كان محبا للجميع مؤمناً بالشراكة بين أبناء الوطن الواحد وكان قدوته سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ملتزماً بحديثه {خيركم خيركم لأهله} فكان همه الأول هو معانات وعذابات الإخوة الأكراد فكان خير سفير لهم وخير قائد شجاع يجمع الجميع حوله، وكان وفائه محط إعجاب واحترام  الجميع.

صبري: الشيخ الشهيد زار عائلتك عندما كنت معتقلا في اقبية البعث الظالمة، كيف تنظر إلى زيارة الشيخ الشهيد وكيف تتذكرها. 
الحمصي: في الحقيقة إنني لم يحالفني الحظ بلقاء فضيلة الشيخ الشهيد الدكتور معشوق الخزنوي رحمه الله، ولكنني تكلمت معه هاتفياً عدة مرات وكنت بشوق للقاء هذا الرجل الكبير، وهنا أذكر حين كنت في السجن توفي شقيقي الشاب أيمن فكان فضيلة الشيخ رحمهما الله أول المعزين وجلس بين الأهل والأصحاب لوقت طويل، وترك الأثر الطيب والمواساة النبيلة عندهم، وأغاظ خفافيش الظلام.

صبري: تمر الذكرى الرابعة والقتلة لازالوا أحرارا، كما أن ملف القضية لدى السلطات السورية مركون على الرف تحت بند ممنوع اللمس، كما أن لجنة المحامين المشكلة من قبل عائلة الشهيد لم تتمكن حتى الآن من الإطلاع على الملف، كيف يمكن للأحرار الحصول على حقوقهم، ومقاضاة ظالميهم.
الحمصي: الحقيقة في مثل هذه الجرائم لا يمكن للقتلة إقامة العدالة أو أن يحاسبوا أنفسهم، والجريمة البشعة والتي راح ضحيتها  فضيلة الشيخ ليست جريمة عادية، فقرارها آت من رأس  النظام وهو يتحمل كامل المسؤولية، ولقد أصدرتُ بياناً واضحاً وصريحاً من داخل المعتقل بأن العائلة الحاكمة تتحمل المسؤولية الكاملة عن هذه الجريمة البشعة وجميع الجرائم ارتكبها النظام بنفس الفترة مثل جريمة قتل الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسمير القصير وطالبت العالم بمعاقبة هذا النظام، لأن صمت العالم سيجلب الويلات للجميع، وأمضيت فترة  سبعة أشهر تحت  العقوبة مع التفنن فيها من قبل الجلاد المجرم العميد سمير الشيخ وكان يبذل الجهد الكبير من أجل تصفيتي لكن بفضل الله نجوت منه وعلى كل الأحوال  لا بد من أن يأتي يوم الحساب ويوم العدالة فنحن إيماننا ورهاننا على عدالة السماء ثم قوة الشعب فنحن أصحاب حق فطريقنا الحرية وإعادة الاستقلال مهما كانت التضحية ومهما كان الثمن وطريقهم إلى الجحيم الذي سبقهم إليه الكثيرون من السفاحين عبر التاريخ، فالأيدي الملطخة بالدماء سيأتي يوم لا حاميه لها، والثروات الطائلة التي سرقت من عرق الشعب ولقمة عيشها لن يتنعم بها لصوص الوطن.

وهنا أتقدم بالتحية والشكر إلى السادة المحامين الذين توكلوا طوعا لمواجهة هذه الجريمة، ولما بذلوه من جهد فضحت المجرمين وإخراجهم المزور المفضوح وإن هذه الجهود والوثائق والبراهين هي الأساس لمحاكمة القتلة ويجب على الجميع الاحتفاظ بكل الوثائق والبراهين على جرائم النظام إلى الوقت المناسب مستفيدين من تجربة انهيار نظام البعث الصدامي ومحاسبته.

صبري: بماذا تفسر عدم اهتمام معظم أطياف المعارضة السورية العربية بقضية الدكتور الخزنوي، مع العلم أن الشهيد كان يتمتع بعلاقات طيبة مع الجميع.

الحمصي: أولا قضية الشهيد الخزنوي هزت الشعب السوري عربا وأكرادا وباقي فئات الشعب بأكمله داخلياً وخارجياً، لأن الشهيد حظي باحترام ومحبة الكثير من السوريين لأنه يمثل الاعتدال المحافظ ومواجهة الظلم والطغيان، ومد يده للجميع للتعاون والاعتراف بالشراكة بين أبناء الوطن الواحد وعلى سبيل المثال محبة واحترام دمشق لفضيلته كان مميزا وواضحا كباقي  المحافظات السورية فأينما حل كان النجم الساطع والمؤمن المتنور فعشقه الجميع وبكى لفراقه.

أما بالنسبة للمعارضة العربية أتمنى أن تكون معارضة موحدة بيننا جميعا في الخارج والداخل فلا أتصور أن هناك تقصير محصور بقضية فضيلة الشيخ الشهيد ولكن هناك مشاكل وضعف وفرقة مؤلمة ومن أهم أسبابها الجهود الكبيرة والإمكانيات التي يبذلها النظام من أجل إضعافها وتشتيتها وعدم مد يد العون لها عربيا ودوليا.

ناهيك عن العجز عن التطور والاستفادة من أخطاء الماضي الأليم والتي أراحت النظام وأصبح  يشعر أنه هو صاحب الحق بإعطاء الشهادة بالوطنية ووضع الخطوط  الحمر بما يتلاءم  مع قرصنته واغتصابه للوطن واستعباده للشعب. وهنا نؤكد مع اختلافنا وخلافنا مع الآخرين وما يتحملون من مسؤوليات ضمن هذا الواقع وأسلوب مواجهته، فهذا لا يمنعنا من تسجيل الاحترام والتقدير للإخوة والأصدقاء الذين قدموا أكبر التضحيات من أجل وطنهم وشعبهم، وأبعدوا قصرا عن وطنهم وذاقوا مرارة وعذاب الفرقة والبعد وضيق الحياة.

وهنا يجب أن ننتبه جيدا أن النظام بذل الجهود الكبيرة لشق الصف السوري بين مختلف أطيافه وأعراقه ودياناته ومذاهبه واستخدم الطائفية السياسية البغيضة بشكل خبيث مبرمج فسطى على حقوق وأملاك الأكراد مستخدما العرب سلاحا لهذا السطو وجعل التقارب بينهم خطا أحمر، وهنا يجب أن نتمعن كثيرا بفكر ورؤية فضيلة الشيخ الشهيد معشوق الخزنوي وكثير من القادة الأكراد والعرب لهذا البرنامج الذي لا يفيد إلا  الديكتاتورية  فشعاره فرق تسد.

صبري: دعنا ننظر إلى الشهيد الخزنوي كرجل الدين المعروف .. فكما نعرف أن الشيخ الخزنوي كانت له آراء تنويرية جريئة ودعوته أيضا كانت واضحة إلى تجديد الخطاب الديني. كيف تنظر إلى آراء الشيخ الدينية؟

الحمصي : كان فضيلة الشيخ الشهيد مفكراً إسلاميا يلتزم الديمقراطية كخيار استراتيجي في الصورة الإسلامية المتجددة وكان يدعو إلى العلمنة والديمقراطية وفصل الدين عن الدولة وتمكين المرأة وحقوق الإنسان. وتداول السلطة واستجاب لنداء الواجب الإنساني وقبل ذلك الديني وهو في النهاية جزء من مصداقيته في رسالته الدينية وترسيخ خطابه الإسلامي وكان مميزاً بصواب رؤيته ومعروفا بأنه يسمي الأشياء بمسمياتها ويضع النقاط على الحروف، وكان سمحاً ضد التعصب الديني والقومي ولم يكن مأثورا لهوى ومفاهيم الآخرين. وقد شكل غيابه للخط والنهج الذي يمثله ضربة مؤلمة في الزمان الصعب رحمه الله.

صبري: إلى متى سنبقى محتفظين بعادة عدم إدراك قيمة عظماءنا إلا بعد رحيلهم وفقدانهم.

الحمصي : الأخت الكريمة أختلف معك في هذه الرؤية فتقصير البعض وتشويه الحقائق والتعتيم عليها لا يعني تجاهل الشهداء والأبطال فإن الذين ثاروا لاستشهاد فضيلة الشيخ  وقدموا أرواحهم  غضباً ووفاءً له هم الصورة الحقيقة لهذا الشعب الوفي والعظيم والذي يستحق أن تقدم كل التضحيات من أجل حريته وعودة حقوقه وكرامته المسلوبة. وسيأتي اليوم الذي يرى الجميع فيه أن الشهيد الشيخ الخزنوي وباقي الشهداء أقوى من أساطيل وقوى المجرمين مهما بلغت وحشيتها وغطرستها وقوتها. وكل ما تعبنا وضاقت بنا الدنيا نظرنا إلى طريقنا فوجدنا نورا يضئ لنا زيته دماء زكية وأرواح طاهرة لن تذهب هدرا.

صبري: كلمة أخيرة توجهها إلى أصدقائك الكرد. 
الحمصي: أيها الأصدقاء والأحبة الأكراد، أيها الصامدون في وجه الظلم والطغيان، يا من أصبحتم في أولويات النظام الديكتاتوري البعثي الأسدي بعد مسلسل جرائمه في كل المحافظات من حماه إلى القامشلي نناشدكم في ذكرى استشهاد شيخنا الجليل معشوق الخزنوي وأقول لكم احذروا الفرقة والتفرق والتعصب فعدونا واحد وخصمنا واحد ومصيرنا واحد ووطننا واحد وحقوقكم مقدسة نتساوى بالحقوق والواجبات  فلا مكان بيننا  لمن يغتصب الحقوق  أو يشعر أنها منة من أحد أو عطاء يستجدى من أحد، تماسكنا وتعاوننا هو الخط الأحمر الذي وضعه النظام وغذاه بالأحقاد والمآسي بشكل مبرمج، إن أهم عوامل الغضب وبشاعة جريمة خطف وقتل فضيلة الشيخ الخزنوي هو كسره لهذه المحرمات  وهذه الحواجز.

ياشركاء الوطن لتتشابك الأيدي والجهود من أجل الحرية ولنرفع أسماء وصور أبطالنا في سجون البعث الأسدي موحدين هاتفين معا لا للمجرمين لا لقتلة الشعوب  نعم للحرية.

وفي الختام أتوجه لأسرة الشهيد معاهدا الله أننا على طريقه ثائرون ولدمه محافظون ولشهادته مقدسون ولأبنائه الكرام مخلصون متعاونون وإنشاء الله وكما وعدت أبناءه فلقبره زائرون منتصرون والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

شاهد أيضاً

عليكو معاتبا وهو عتاب محق

الدكتور مرشد معشوق الخزنوي 17.06.2021 يكتب الأستاذ فؤاد عليكو خلال هذه الأيام سلسلة من المقالات …

المرصد السوري : في الذكرى الـ 16 لاغتيال الشيخ محمد معشوق الخزنوي.. نجله الشيخ مرشد للمرصد السوري: المجرم ماهر الأسد شقيق الطاغية بشار هو من أمر وأشرف على اعتقال واستشهاد الوالد

يطلق عليه “أيقونة الانتفاضة الكردية”، تلك الانتفاضة التي كلفت الأكراد في الحسكة عشرات الضحايا والجرحى …