لافا خالد : ثلاث مرات في ضيافة الشيخ الشهيد

تجربتي المباشرة مع فكر الشيخ الشهيد معشوق الخزنوي
لافا خالد : ثلاث مرات في ضيافة الشيخ الشهيد
 المشهد الأول
اتصال هاتفي من أستاذي وصديقي الكاتب إبراهيم اليوسف , السفير النروجي سيقف على عتبات المشهد الكردي المتردي في قامشلو مباشرة , لم أتردد لحظة في التفكير هل أذهب أم لا , ولم أسأل عن الجهة التي تجرأت على الإتيان بأول سفارة أجنبية إلى المحافظة عموما , كل شيء كان لافتا ومحفزا للحضور , استفسرت عن مكان الحضور اخبروني عن مكتب الدراسات الإسلامية ( مركز إحياء السنة ) في القامشلي , تقودنا اللحظات التي لن ننساها إلى حيث مكتب العالم الفاضل المرحوم الشيخ الشهيد محمد معشوق الخزنوي , كنا أول الحضور استقبلنا بتواضع العلماء وابتسامته الحنونة وكلامه المؤثر دخلنا إلى غرفة الاستقبال بادر احدهم مازحا : شيخي إنهن غير متقيدات باللبس الإسلامي فقال كلمته حيث اسكت كل الحضور : تعلمنا من شريعة المصطفى عليه الصلاة والسلام ألا نصادر قناعات أحد ولا نفرض قناعاتنا بالقوة على الناس نحن أصحاب رسالة ونبلغ عنها فمن شاء سار في طريقنا ومن لم يشأ هو حر سيد نفسه فلنؤمن جميعنا إن الدين لله والوطن للجميع
المشهد الثاني
يتتالى حضور الفعاليات السياسية والاجتماعية والصحفية ويتكاثف الحضور الأمني أيضا ويأتي السفير بعدها ويبدأ شيخنا الشهيد جلسة الحوار بالوقوف على عتبات الواقع الكردي المتأزم بمشاكل نوعية متنوعية بحضور مترجم يتولى نقل كل شيء للسفير الذي قال لنا في نهاية الحديث التالي :
أشكر الشيخ الخزنوي على هذه المبادرة التي أتمناها أن تتكرر والوقوف مباشرة على نقل المعاناة يعطينا أشياء كثيرة قد تعجز الكلمات المكتوبة في إيصالها , نحن على علم مباشر بما تعانيه الجزيرة السورية من مشاكل استثنائية كمشكلة التعريب والحزام وإحصاء 1962 وأحداث القامشلي 2004 ونعمل جاهدين في رفع الغبن عن الشعب الكردي من مختلف ما يعانونه
تبدأ المداخلات :
كل الحضور السياسي كانت له كلمته التي تتكرر منذ عقود طويلة ولا من استجابة : حينما وصلني الدور قلت للشيخ إنني سأنتهز فرصة واحدة , الأمر مهم حينما أخاطب جهة دبلوماسية بشكل مباشر ولكن الأهم عندي أمر آخر وهو فرصة جلوس الساسة الكرد ولأول مرة على طاولة واحدة باستثناء غياب طرف أو طرفين التقوا بالسفير على إنفراد في بيوتهم حسبما تم تداول ذلك , كانت ملاحظاتي شديدة اللهجة على معظمهم كنت الأوفر حظا بالحديث مطولا , خاطبت الساسة بمشاكلنا كشباب وصحفيين وقضية الكرد المجردين من الجنسية وفصل زملائي من الجامعة على خلفية ماجرى في قامشلو 2004 وتداعيات الحدث الكبير والضريبة الباهظة التي دفعناها دونما ذنب ,ومشكلة البطالة وأشياء كثيرة , تدخل الأستاذ حسن أبو جهاد قال تكلمي نحن نسمعك نحتاج من يؤنبنا بهذه القوة , كنت ابغي حقا أن أوصل الجرح الذي يمزقنا جميعا وهو الحالة الاستثنائية المريبة التي نعيشها ولا نزال في محافظة هي من أهم الأجزاء التي تفتخر بولائها وانتمائها لهذا الوطن الجميل سوريا وهي الأكثر إهمالا من أجندة الجميع بالرغم من تميزها بغناها بالثروات الطبيعية وموقعها الإستراتيجي ينتهي النقاش وتبدأ فترة الاستراحة في ضيافة الشيخ الشهيد على شرف السفير وبحضور مختلف الفعاليات كانت سفرة الطعام الأولى والأخيرة التي تناولناها في مكتبه كان شديد التواضع جميل الخلق والخلق لم يجلس إلا في آخر اللحظات وهو منهمك بتكريم ضيوفه يشدد علينا أن نكون الأسرة الواحدة قال لنا مازحاً * الطبخ عليّ وأنتو الجلي عليكم * وخاطب ممن كانوا حاضرين من إحدى الفروع الأمنية أن يمزق الشريط الذي سجلوه قال لهم* نحن إخوة في بلد واحد وصار بيننا خبز ملح * وتداخل كل الحضور ليمزقوا الشريط المسجل بمناقشتنا وعبثا كان ذلك
ينتهي اللقاء الذي استمر لساعات , يغادر السفير , نبقى نحن بعض الحضور تناقشنا مع الشيخ ببعض المسائل قال لي أختي لدينا من العيوب الأمر الكثير ولنا من الإيجابيات ما هو أكثر ليتك لم تشددي اللهجة بحضور السفير فلننظف بيتنا الداخلي بيننا , قال له الأستاذ إبراهيم اليوسف : لا شيخي فلنتكلم بحرية وصراحة فقال لا أقصد أن أمنع احد الكلام ولكن حتى ننسق ونتمكن لزيارات متكررة لجهات دبلوماسية أخرى ولم ينسى أبدا أن يشكرنا على الحضور النسائي الفاعل حينها وهي النقطة التي أشاد بها السفير أيضا , قلت له شيخي أريد رقم جوالك حتى نتواصل على أشياء كثيرة تدور في مخيلتي وكان كذلك , وانتهى اللقاء الأول بوداعنا الذي حمل في ذاكرة كل الحضور أشياء كثيرة استقينا منه معنى الصدق والجرأة وقوة الطرح لرجل استثنائي في زمن هو حقا استثنائي
الزيارة الثانية
اتصلت به كي ننسق لمشروع حوار حول فكره وحضوره الذي برز بقوة على الساحة الكردية وتأثيره الفاعل على الرأي العام وقدرته الغريبة في جمع الكرد حوله , لم أستدل تماما على مكتبه هل هو في الطابق الأول أم الثاني أم الثالث ربما, سألت أحد الواقفين بحذر وقلق أمام مكتبه في البهو الأرضي , قال لي من أنت وماذا تريدين من الشيخ , بدا حينها كل شيء مريبا حائرا قلقا , حركة الناس وعيون المارة ليست على عادتها , صعد معي إلى حيث باب المكتب للشيخ الشهيد انتظرته قليلا كان يحاضر في المكتب , خرج مرحبا ومبتسما وحينما رأى ذاك الشخص الغريب نظر إليه وكأنه يرى في عينه الحدث الجلل القادم قال له ماذا تريد ؟ لاحظت الارتباك عليه وفسرت الموقف بسرعة بعد الدراما الغريبة التي أودت بشبابه المأسوف عليه كثيرا كثيرا * آه شيخي لم تحمي نفسك منهم * ينزل الشاب ونبقى نحن نتكلم ويبدي الموافقة على الحوار ويكتب لي بريده الشخصي لإرسال الأجوبة عليها وأمضي لأودع ذاك الشيخ الفاضل إلى حيث اللقاء الأخير
المشهد الأصعب
كنا نتجول في سوق القامشلي قلت لصديقتي انظري ذاك مكتب الشيخ معشوق الخزنوي , كلمتها عما حصل معنا بحضور السفير وتناقشنا حول فكره ومشروعه وقوة تأثيره في الناس أبت إلا أن تراه وهي التي تعاتبني لحين اللحظة لما أخذتها معي تأثرت كثيرا كثيرا بغيابه المبكر , ذهبنا دون أن نطلب استشارة أحد فالمكتب طريقه واضح ومفتوح لكل الناس ونحن بالأساس لنا فيه رؤية ومواقف وحتى خبز ملح , التقينا الشيخ الشهيد للمرة الأخيرة الذي أصر أن نجلس قليلا وبحكم الوقت المتأخر وحرارة الصيف لم نشأ ذلك فقط قلت له شيخي كل من سمع بك يريد أن يعرفك , أنا أكثر من سعيدة لأنك سمعتنا وجلست معنا فقال , أختي أنتم الشباب العجلة الأقوى والمحرك الأساسي في أي شيء نقوم به , مكتبي مفتوح لكم وأي شيء تحتاجونه لا تترددوا نحن نسعى لوطن واحد هو لنا جميعا , كانت الكلمات الأخيرة هو إصراري على أن يجيب على الأسئلة بسرعة لأني كنت أتابع انشغالاته الكثيرة وسفره الدائم لذلك كنت شديدة الإصرار على أن ينهي الأسئلة وبسرعة دون أن يخطر ببالي ولو لثانية إن هذا الإنسان الفاضل يودع الدنيا بطريقة شديدة الألم , قال توكلي على الله لو شاء الله ستصلك الإجابات حالما انتهي منها قريبا , غادرنا المكتب وكانت المرة الأخيرة ولم يشأ الله جل جلاله أن نلتقي ثانية أو تصلني الإجابات
الحدث الجلل
كنت في الشام تفا جئت بخبر اختفاء الشيخ معشوق الخزنوي في ظروف غامضة , كيف ذلك ؟ ولما الشيخ معشوق ؟ من يقف وراء الجريمة ؟ هل الخبر صحيح أم لا ؟ أين نحن ؟ أين القانون أين أين ؟؟؟؟ آلاف الأسئلة التي بدأت حائرة تبحث عن إجابات اتصلت بأشخاص كثيرين استفسرعن الموضوع, الكل يؤكد خبر اختفائه الغريب كانت الأحداث تتسارع والأيام تهرول ولا خبر سوى إشاعات تملا الشارع حول الحدث والجريمة والتداعيات وأصابع الاتهام وموقف الشارع الكردي , بيانات ومواقف لم تفعل شيء لتوقف الجريمة المنظمة التي اغتالت الشيخ الخزنوي الشهيد , في عصر يوم إعلان العثور على جثمانه الطاهر كنت في زيارة عمل مع أخي , كان يدري تماما بالموضوع وعنده المعلومات المؤكدة بخبر استشهاده لم يبلغني في الساعة الأولى لانه كان يعي تماما هول الصدمة وتأثيرها عليّ لأني عايشته وتأثرت به وأحببت طريقه وتنورت بفكره ,
ماالذي حدث ؟
يختطف الشهيد في دمشق ويقتل في حلب ويتم العثور على جثمانه في محافظة دير الزور وينقل ذاك الجسد الطاهر في جنازة مهيبة خرج لها مئات الآلاف من عموم أبناء الجزيرة السورية إلى حيث الوداع الأخير لكل قامشلو .
شيخي الشهيد رحمة الله ترعاك في كل ثانية إلى يوم الدين, لن أنسى الخبر الأشد سؤا في حياتي وهو تغييبك بتلك البشاعة اغتالوك لأنك كنت المشروع الحق والمؤثر لن اعترف بغيابك ففكرك المستنير النهضوي هو الحقيقية المطلقة ولك كرد أوفياء هم خير خلف لخير سلف , أنا مؤمنة إنك الآن في مرتبة الشهداء والصديقين وفي جنان الخلد إن شاء الله
شيخي الشهيد الحي الباقي أبدا طوبى لك كنت الإنسان التقي وكنت القدوة والمثل , كنت الشيخ الشهيد الجليل الإنسان العارف بالحق نالت منك يد الغدر غيلة وبلمح البصر, تلك الأيادي الآثمة الجبانة القزمة التي ستقطع عاجل الأمر أو آجله تطاولت على شموخ قامتك وعظمة فكرك
لن أنسى ما حييت كيف ضيقوا عليك الأبواب ولاحقوك في كل خطوة اسمح لي أن ابكيك وأبكيك وأبقى أبكيك حتى لو قالوا إن الدموع سلاح الضعفاء , لا أتمالك نفسي باستذكار اسمك إلا وتفيض عيناي على رجل عالم فاضل تحسس آلامنا نطق أوجاعنا الكثيرة
شيخي
أرقد بسلام ورب الكعبة أنت الحق وهم الباطلون , أنت الأثر والحدث والذكرى الباقية كنت أنت من يثق بقدرات بني جلدتك ووفائهم الكبير وهم كانوا وسيخلصون للقضية إلى الرمق الأخير

 

شيخي الشهيد الحي أيها الوجع الذي لن يستريح : مهما حاولوا حجب الحقيقية لكنهم لن يستطيعوا أن يمنعوا شعاع الشمس أن يتسلل إلى بيوتنا , نحن عانقنا الشمس بعظمة آلامنا وتضحياتنا , ونحن الأوفى في حب هذا الوطن والإخلاص في سبيله والغلبة للحقيقة كل الحقيقة