الاكراد والتصوف وموقف الشيخ الشهيد معشوق الخزنوي منه

الدكتور عبدالعزيز حج احمد
التصوف مفهومه ونشأته وتطوره :
اختلف الباحثون قديماً وحديثاً في معنى الكلمة وأصل اشتقاقها ، كما اختلفوا أيضاً حول نشأتها ، فوُجد من يقول إنه دخيل على الإسلام ، ووافد إليه مع ترجمة الثقافة اليونانية وفلسفتها إلى العربية في القرن الثاني الهجري ، ووجد كذلك من يرجع نشأته إلى ما قبل الإسلام .
ولعل سبب الاختلاف في تحديد نشأة التصوف يرجع في الأساس إلى كون التصوف مرتبطاً بالسلوك الوجداني والرياضة الروحية ، فهو غير خاضع إلى مقاييس ثابتة وموحدة ، وقد حاول أصحاب هذا السلوك – فيما بعد – وضع قواعد ونظريات لمذهبهم مستعينين في ذلك بما نُقل إلى العربية من ثقافات وافدة ، وبمحاولة تأييد اتجاههم بتأويل نصوص القرآن الكريم  والسنة المطهرة مما جعلهم ينحرفون بمفهوم التصوف إلى معانٍ لا يقرها الإسلام ، بل قد تناقضه تماماً .
فالتصوف الذي هو بمعنى الزهد والإعراض عن الدنيا ومتاعها ، والتأمل ، والعمل ، ومجاهدة النفس عملاً بقوله تعالى : {قُل مَتَاعُ الدُّنيَا قَلِيلٌ وَالآَخِرَةُ خَيرٌ لِمَنِ اتَّقَى} [ النساء : 77 ] والذي هو في النهاية تجسيد لقول النبي صلىالله عليه وسلم { أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك }  ليس غريباً عن الإسلام ؛ إذ عُرف من الصحابة من أخذ نفسه بهذا الخلق زهداً في الدنيا ورغبة فيما عند الله ، فآثر التقشف والبعد عن الرفاهية والدعة . ثم أصبح ميل فئة من المسلمين إلى الزهد في الدنيا أكبر ، ولاسيما في القرنين الثاني والثالث للهجرة بعد الانغماس في الترف الحضاري عقب الفتوحات الإسلامية وازدياد الرخاء الاقتصادي .
لكن ما لبث أن انتشر التصوف بعد فترة في مختلف البلاد الإسلامية ، حتى بدأ في التحول من فكر صاف وسلوك عملي إلى نظر عقلي وتفكير فلسفي . . مع عدم إهمال تربية النفس وتهذيب الأخلاق ، إلا أنه تأثر بالفلسفات اليونانية والهندية وبلغ هذا التأثر مداه في القرن الثالث الهجري ، الذي ظهر فيه أعلام وضعوا الإطار العام للتصوف فقام بعضهم بالدعوة إلى «وحدة الوجود» ، وبتأويل الآيات من الظاهر إلى معنى باطن وإن لم تحتمله الآية ، واستعمال مصطلحات غير مألوفة لدى المسلمين ، وأصبح لهم اتجاه معين في فهم الإسلام ونظريات خاصة في المعرفة .
مكانة التصوف فـي المجتمع  الكوردي  :
العلاقة بين المجتمع الكوردي والتصوف علاقة قديمة ووثيقة ، إذ تربى معظم المجتمع الكوردي في أجواء مشبعة بالنزعة الصوفية ، وتطورت هذه العلاقة بعد قيام مشايخ الطرق ومريديهم في قترة من الزمن بالاشتراك في الدفاع عن الناس ضد الغزو القومي كأمثال الشيخ سعيد بيران رحمه الله  ، وهذا ما أثر في العامة وجعلهم يشعرون أن لا معنى للعيش إلا بالدخول في إحدى الطرق والارتباط بها من قريب . وأصبح لكل مجموعة من الناس حلقة أو حلقات ذات صلة بإحدى الطرق الكبيرة ، وانتشرت بذلك الزوايا والتكايا في كافة أنحاء كردستان .
ونظراً لكثرة عدد الأتباع والمريدين من مختلف الطبقات الاجتماعية ، لاسيما الأغنياء وأصحاب النفوذ ، فقد اكتسب مشايخ الصوفية مكانة اجتماعية مرموقة ونفوذاً سياسياً فعالاً ، حتى غدت الانظمة تتوسل إلى الشيخ طالبة مساعدته وتأييده في امر يعرض لها .
لكن الطرق في المجتمع الكوردي لم تكن كلها ذات اتجاه واحد ، بل كانت كل طريقة تمثل اتجاهاً معيناً يرسمه – في الغالب – شيخ الطريقة ثم من يخلفونه عليها ، لذا فقد ظهرت طرق مغالية ، منحرفة معادية لمجتمعاتها ، حصرت الإسلام في ممارسات محددة وألفاظ خاصة وتعابير لا يفهمها كثير من الناس ، فابتعدت بذلك عن روح الإسلام ، بل إنهم : «وضعوا آداباً ومبادئ ألزموا بها كل من سلك طريقهم ، فكان بعضها يقضي بمحبة الجهل وعدم التعلم على يد مدرس أو كتاب ، وقضوا بذلك على الحياة العلمية  ، كما يشير الشيخ الشهيد الى ذلك عندما يروي أن الكوردي عندما كان يستشير شيخ الطريقة بشأن ابنه الذي يرغب في تعليمه وتثقيفه يجلب الخير لنفسه وعائلته ومجتمعه كان شيخ الطريقة يمنعه من ذلك بحجج ودعاوى لا يقرها الاسلام والعقل السليم ، مما ساهم في انتشار الجهل ومساهمة فعالة من قبل المشيخة الصوفية للسلطة الظالمة في ابعاد المجتمع الكوردي عن قضاياه . . . . .
لقد نما التصوف في المجتمع الكوردي حتى أضحى دافعا اجتماعيا لا يمكن إنكاره ، لذا عمدت الدولة إلى التعامل معه بكل حرص وعناية ولعل موقفها إزاء هذه الطرق كان يحدده أصحاب الطرق أنفسهم فإن هم أيدوا السلطة في سياستها الداخلية والخارجية وجدوا كل الدعم والمساندة والرضى ، بل قد يصل الأمر إلى حد الإشادة الرسمية والانتساب العلني ، أما إذا اختلفت المواقف ، فإن القمع والمصادرة هما السياسة المتبعة ضد هذه الطرق .
الخزنوي  وموقفه من التصوف :
يعتقد بعض الذين لم يطلعوا اطلاعاً جيداً على حياة الشيخ الشهيد الشيخ معشوق الخزنوي وفكره أنه رجل تصوف أو شيخ طريقة ، وقد يوجد ما يبرر هذا الاعتقاد باعتباره من بيئة صوفية وابن لاكبر مشيخات الصوفية في كردستان ، لكن القراءة المتأنية لحياة الشيخ الشهيد وفكره وآرائه يدرك جيدا ان الشيخ الشهيد لم تكن له اي صلة بالتصوف .
صحيح أن الشيخ الشهيد نشأ متصوفا في اول حياته بحكم العائلة والمحيط لكن بعد ذلك وجد أن هذه الطرق بعيدة عن روح الإسلام الحنيف الذي جاء ليخرج الناس من عبادة العباد الى عبادة رب العباد ، بالإضافة الى سيطرة الانظمة الاستبداية على هذه الطرق من خلال مشيخاتها من اجل تخدير الناس وابعادهم عن قضاياهم ، وهذا ما نلحظه بقول مدير شعبة الأمن السياسي بقامشلو في 2001 عندما قال للشيخ الشهيد { هؤلاء كلهم حمير ويكفي ان ترضي سايس الحمير حتى ترضي الحمير كلهم }.
فقد ظهرت في هذه الطرق الشركيات والبدع والخرافات، ويظهر موقف الشيخ الشهيد واضح عندما نقرأ قوله { التصوف هو مصطلح مستحدث يطلق على المنهج الإسلامي في التربية والسلوك وهو في الأصل مطلب إسلامي ضروري كالعيادات النفسية والمصحات العقلية والمراكز التربوية المنتشرة في سائر أنحاء العالم بمختلف ثقافاته الشرقية والغربية . ولكنه ولكون تعليماته في الغالب جهدا بشريا وتجربة شخصية لرجال التصوف الذين إن كانوا في بعض الأحيان يلتزمون بالضوابط الشرعية للعلاج والتربية والتزكية إلا أنهم في كثير من الأحايين ما كانوا يلتزمون بتلك الضوابط الأمر الذي أدى إلى انحراف التصوف عن مساره وبدل أن يكون عاملاً إيجابياً في مسيرة الدعوة خصوصا وحياة المسلمين عموما أصبح يشكل عبئاً على الدعوة ومصدر تواكل وانهزامية في حياة المسلمين بل أصبح بيئة مناسبة لنمو الشركيات والبدع التي تأتي من هيمنة الجهلة الذين يرثون زعامة المدارس الصوفية من آبائهم وأجدادهم دون تأهل لذلك , حتى ادعى البعض منهم أنه إله أو حل فيه الإله أو كلمه الإله أو أنه ارتفعت عنه التكاليف أو أنه القطب الذي يدير الكون وإليه يعود مهمة الحل والربط وهو غياث المستغيثين والمتصرف على الإطلاق وهو نور السماوات والأرضين أو أن محبته مقدمة على محبة الله  إلى غير ذلك من الخرافات والهرطقات والشطحات التي لا يقبل بها إلا المخدرون من أتباعهم .
ولهذا وحتى لا نخسر منهجنا في التربية والسلوك فإن علينا أن نقوم بتصفيته وننفي عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ونجدد هذا العلم برفده بدماء ملتزمة بالكتاب والسنة يدفعون عنه كل شرك وبدعة ويفهمون الناس أن الجوانب الباطنية في العقيدة والفقه والسلوك هي  دخيلة على التصوف وناتجة من التقليد الأعمى للرجال الذين علينا أن نغربل تراثهم وآرائهم ونأخذ منها الجذوة لا الرماد }انتهى كلام الشيخ الشهيد .
ولأن الشيخ الشهيد اهتم بقضايا واقعه ، فقد تناول بالدراسة مصطلحات : «التصوف ، والطريقة ، والولاية ، والسلوك» ، وهي مصطلحات لها رواج في مجتمعنا الكردي والسوري ، إلا أنه عالجها من منظور الشريعة وفي ضوء ما يخدم الإسلام .
فالتصوف وان كان من حيث مصطلح دخيل على المجتمع الإسلامي إلا ان الشيخ الشهيد لم يقف موقف العداء  من المصطلح ولم يقف بوجهه بشدة بقدر وقوفه لما كان يمارس من خرافة وتدجيل تحت هذا المصطلح ، فالمصطلح في نظر الشيخ الشهيد ينظر اليه من خلال ما يعرف به  من قبل القواعد الفقهية – لا مشاحة في الاصطلاح – والحكم على الشيئ فرع عن تصوره – فان كان التصوف هو التزام بكتاب الله وسنةرسوله فذاك مطلوب، وان كان تدجيل وشرك وخرافات فذاك ما لايقره الاسلام .
وأما السلوك وهو الذي يعرف من قبل اتباعه بالآداب والسلوكيات الصوفية والتي تنوعت من طريقة الى اخرى بناء على تنوع امزجة شيوخها فيقول الشيخ الشهيد  {أن الآداب الشرعية التي هي ثمرة الوحي أسمى وأعلى من آداب الطريقة المستندة إلى الإلهام ، لذا فإن أهم أساس للطريقة هو اتباع السنة النبوية المطهرة ، وهو طريق ورثة النبوة من الصحابة الكرام والسلف الصالح }  .
والذي أخلص إليه أن الشيخ الشهيد حاول أن يكون سنياً في تناوله لمباحث التصوف ، وقد أولاه اهتماماً يليق به ، لأنه يعدّه أساساً مهماً من أسس إيصال الإنسان المسلم إلى الاستقامة والتقوى ، إلا أنه ينبه على الانحرافات والسلبيات التي دخلت إليه نتيجة الممارسة الخاطئة والابتعاد عن القرآن والسنة ومسلك الصحابة الكرام .
وقد تبين أن الشيخ معشوق لم يكن صوفيا ، ولم يسع إلى إنشاء طريقة صوفية معينة ، بل لقد أراد من موقع الداعية أن يخاطب أكبر عدد من الناس ليبرز لهم حقائق الإيمان جلية ، ويحثهم بالتالي على اتباعها والتمسك بها والدفاع عنها .