عشر دقائق مع الشهيد محمد معشوق الخزنوي – محمد خير داود

محمد خير داود – اعلامي وكاتب
شيخ جليل، واقعي ويعي كيفية قراءة الامور، مرن ومتزن ولطيف، يفرض احترامه ومحبته بسلاسة فتحبه دون ان تكلّف قلبك.التقيت الشيخ الشهيد محمد معشوق الخزنوي عدة مرات وفي عدة مناسبات، لكن تلك اللقاءآت دائماً ما كانت في امكنة عامة ومناسبات قومية. ففي حفلة نوروز عام 2005 زارالشيخ منصة فرقتننا الفلكلورية (فرقة قامشلو حينها)،
وعندما قمت كعريف حفل بتقديم هذا الضيف الكريم، وصفته بـ “صلاح الدين الايوبي الثاني”، حينها عاتبني بعضٌ من الجمهور بنظراتهم وكأن لسان حالهم يقول لي “أنت تبالغ بعض الشيء في وصفك”. لكنهم بعد حين، لاسيما عندما ألقى الشيخ الجليل كلمته ليبارك لهم العيد القومي، علموا ان هذا الوصف ليس كبيراً على رجل مثله. ثم أدركوا أن هذا الوصف قليل ايضاَ أمام عظمته، خاصة بعدما انتشر خبر اختطافه ومن ثم استشهاده على ايدي الطغاة.شيخٌ جميل، كما يسميه صديقي الشاعر فتح الله حسيني، كنا، نحن الشباب، نلجأ إليه عندما يكبح الآخرون اندفاعنا وحماسنا، فيربت على اكتافنا، يعدنا بأنه سيحاول منع الآخرين من الوقوف في طريقنا بحكمته ولطفه.بعد انتفاضة آذار المجيدة عام 2004، قمنا بتأسيس منظمة شبابية بإسم “مجموعة الشباب الكرد”، تحولت فيما بعد إلى “حركة الشباب الكرد”، حاولنا قدر المستطاع ان نغير في الواقع المرير الذي ورثناه من الأحزاب الكردية كنتيجة حتمية لظلم نظام دكتاتوري استمر لعقود، وكان شعارنا دائماً هو النضال الميداني ودفع الشباب للأمام ليتولوا قيادة انفسهم بأنفسهم ، فكنا دائماًَ نصطدم بعدة اشكاليات معقدة، أولها القمع والترهيب من جانب اجهزة النظام القمعية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى كنا نصطدم بتخييب الآمال والتغلغل السلبي والوعيد واشاعة اللاثقة بين الشباب وكيل الاتهامات من جانب الأحزاب الكردية بحقنا، فنلجأ للشيخ الجليل كي يتوسط لنا لدى تلك الزُمر الحزبية لتترك الشباب وشأنه وتبتعد عن كيل الإتهامات، أما السلطة، فلنا اجسادنا ولها سياطها، و”الله على الظالم”.قبل اختطافه بفترة، قررنا في مجموعة الشباب الكرد الخروج في مسيرة شبابية في قامشلو وذلك في يوم السادس من أيار 2005 للمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن المجزرة التي حدثت في انتفاضة آذار 2004 وحل القضية الكردية حلا ديمقراطيا والإفراج عن المعتقلين، لكننا تعرضنا لهجمة شرسة من قبل الأحزاب الكردية، واذكر تماماً ان أحد قياديي إحدى الآحزاب الكردية قال لي بالحرف الواحد: (لن نسمح للقافلة أن تسير أمامنا وتملىء أعيننا بالغبار)Em qebûl nakin karwan li pêşiya me bimşe û çavê me tijî toz bike . التجأنا للشيخ الخزنوي لعله يتشفع لنا لديهم، فيكفوا عن التشهير بنا وكيل الإتهامات، فقمت واثنان من رفاقي، أحدهم حالياً في سجون البعث و الرفيق الآخر التجأ إلى إحدى الدول المجاورة، بالإتصال مع الشيخ الخزنوي طالبين مقابلته، حدد لنا موعداًَ، وبالفعل ذهبنا لمقابلته في مكتبه (مركز إحياء السنة للدراسات الإسلامية)، و شكونا له ما نتعرض له وشرحنا له اهدافنا من مسيرتنا التي ننوي تنظيمها في قامشلو. ابدى الشيخ الشهيد تضامنه الكامل لنا قائلاً: لو كنت اعلم ان هناك خمسمائة شخص سينضم لي في النزول للشارع، لما دخلت داري وكنت سابقى محتجاً في الشارع طيلة الدهر، لان المرحلة الآن تحتاج منا نضالا ميدانياَ مدنياً. كما وعد بمناقشة الأمر مع بعض القياديين في تلك الأحزاب ومطالبتهم بمساندة الشباب وشدّ عزيمتهم ، وإما عدم التعرض لهم.في تلك الجلسة القصيرة، قال الشهيد الخزنوي “ان اجهزة الأمن تضايقه وأنه يشعر بأن النظام السوري سيقوم بتصفيته”. تلك الجملة عالقة في ذهني منذ ذلك الحين.نحن إذ نستقبل الذكرى السادسة لاستشهاد الشيخ الخزنوي، نشهد انتفاضة شعبية شاملة في سوريا، يقودها الشباب بعنفوان وتصميم، واضعين الموت أو الحرية نصاب اعينهم، أظن بأن امنيات الشيخ الشهيد بدأت تتحقق وأن الحقوق التي كان يقول أن لا أحد يتصدق بها إنا تؤخذ بالقوة، ستوخذ بقوة الشعب واصراره وارادته التي لا ولن تهتز أبداً.