المخدرات في مجال الفقه الاسلامي

جزء من سلسلة المخدرات
للدكتور محمد معشوق الخزنوي
خطبة لشيخ الشهداء الدكتور معشوق الخزنوي
خطبة في جامع الصحابي سلمان الفارسي بحي قناة السويس – قامشلو  
تفريغ : عبد الرحمن احمد – مراجعة مركز احياء السنة ( مكتب الشهيد الخزنوي )
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا سيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
أما بعد : مع المخدر المعنوي الثاني ، مع المخدرات في مجال الفقه والشريعة ، وأقصد بها تلك القيود التي خدرت المسلم ومنعته من الحركة وكبلته بأطواق الجمود وما تبع ذلك من إيهامه أن باب الاجتهاد قد اغلق ، وما عليه إلا أن يقلد السابقين تقليداً أعمى ، ويتعصب لمذاهبهم وآرائهم دون معرفة ضوابطهم ، وحتى ظاهر دليلهم ، هذا الطوق الذي وضع في أعناق العلماء ومنعتهم من الحركة والبحث العلمي بصورة عامة وصارمة نتيجة لظروف واسباب معروفة .
هو الذي أسميه خلال بحث اليوم بالمخدرات في مجال الفقه ، ويحق أن نسميه مخدراً معنوياً خدر الامة ما يقارب ألف سنة مانعاً أياهم من الحركة ، وفرض عليهم ترك كتاب الله وسنة رسوله ورائهم ظهرياً ، وعدم التفاعل معه أو الاحتكام اليه ، مكتفين بتفاعل الأباء والاجداد مع هذا الكتاب وهذه السنة ، وهذا ما عطل استمرارية معالجة الاسلام لحوادث الأيام معالجة غضة حية تنطلق من زمن الحدث وتراعي ظروفه ، ومن حسن حظ المسلمين أن إعلان وضع هذا الحجر على العلماء منهم وسد باب الاجتهاد في وجوههم لم يكن الا بعد مضي أربعة قرون بلغ فيها الاجتهاد الفقهي الذروة في التأصيل والتفريع والاستنباط ، حيث دونت مسائل الفقه على مختلف الأراء والاتجاهات مرتبطة بأدلتها التفصيلية ، ودون كذلك علم أصول الفقه وقعدت القواعد  ، وإلا لكنا اليوم نجهل شيئاً أسمه الفقه الإسلامي ، الذي لم ولن تأتي الدنيا بمثلها حتى بعد أن اجهض في القرن الرابع .
وإزاء هذا الغنى والوفرة من الأفكار الفقهية أصولاً وفروعاً شعر حكام المسلمين من ذوي النفوس المريضة أن الفقه بحركته يحاصرهم ويحاصر مصالحهم ويراقب تصرفاتهم لأنه يعطي للقرآن والسنة حيويتهما ، ويستنبط كل يوم ، بل كل ساعة أحد العلماء حكماً شرعياً على تصرف من تصرفاتهم ، فأصدروا قرارهم بالتعطيل التدريجي للفقه الإسلامي ابتداء من سد باب الاجتهاد وإجبارهم على الافتاء تقليداً لغيرهم ، ومروراً بتعذيبهم على فتاويهم ، وانتهاء بنسخ الكتاب والسنة وابطال حكمهما والاكتفاء بما قاله الرجال ، أما القرآن فيتلى في المناسبات والمآتم لا لاستنباط الاحكام منه ، واما السنة فهي تدون لتوضع على رفوف المكتبات التماساً لبركة الرسول صلى الله عليه وسلم لا على أنها ترجمة عملية من رسول الله لنصوص الكتاب وتبياناً لها ، وقد أدركت تقسيم مكتبة الشيخ احمد الخزنوي بين الورثة ، وكان يتولى التقسيم بعض العلماء فكانوا يعطون لهذا كتاباً في الفقه ، وذاك كتاباً آخر في الفقه أو ربما في غيره من العلوم حسب القيمة الرائجة في ذلك الوقت ، إلا كتب الحديث ومنها صحيح البخاري الذي كانوا يريدون أن يعطوا لكل واحداً من الورثة جلداً او جلدين منه ، ولما قال بعضهم أن هذا يمنع من الاستفادة من مباحث الكتاب ، قالوا : إنما يستفاد من البخاري بالبركة والامان ويكفي أن ينال كل واحد منهم حصتة منها ، بغض النظر عما فيها لأنكم لستم أهلاً لاستخلاص الاحكام منه ، إنها كلمة حق يراد بها باطل ، نعم يريد بها باطلاً من خططوا لها  وإن كان المنفذ ساذجاً بسيطاً لا يدري ما يحاك له ، إنها حيلة الساسة والحكام الذين تضرروا من الشريعة فلم يستطيعوا أن يرفعوها ويرمقوا احكامها مباشرة لما للايمان بهما في قلوب الناس من مكانة ، فكانت الحيلة أن قالوا أن القرآن والسنة كل منهما أسمى من أن تأخذوا منهما وإنما خذوا من فلان وفلان وهم مجموعة من الاشخاص غالباً ما كانوا قد توفاهم الله حتى لا يرى لهم فتوى او حكماً موجها اليهم ، وبسبب اعجاب بعض العلماء بثروة السابقين الفقهية وخوفهم من دخول الادعياء الى هذا المجال فيفسدوا شريعة الله بالهوى خضعوا لهذا المنع من الاجتهاد وانطلت عليهم حيلة الحكام الذين كما قلنا كانت لهم مصلحة في الجمود والخدران فمنعوا العلماء من الحركة والتفاعل مع الحياة حتى لا يكونوا سيوفاً مسلطة على مصالح الحكم تغير كل منكر وتدعوا الى الاصلاح ، بل بسد باب الاجتهاد انقلبت الآية فتحول الحكم نفسه الى رقيب من قبل الدين ليكون سيفاً مسلطاً على رقاب العلماء يحاسبهم على الفهم والفتوى والاجتهاد بحجة أن باب الاجتهاد قد اغلق ولا ينبغي لأي كان أن يتحرك إلا كما تحركوا ، أو أن ينكر إلا ما انكروا ، أو يفتي إلا بما افتوا به حرصاً على بقاء العلماء متقوقعين في الماضي وخارج دائرة الواقع ليأخذ الحكام حريتهم في التلاعب بالشريعة والحقوق .
ولا شك أن هذا الموقف من الدولة العباسية ومن جاء بعدها كان نكسة أصاب الفقه الإسلامي العظيم ، وحالت بينه وبين التجدد المطرد ، والنمو الكامل الذي كان يرجى له أن يتم لو ظل باب الاجتهاد مفتوحاً كما كان في العصور الأولى .
بل عطل القرآن وعطلت السنة ، ومنع المسلمون من العودة إليهما كما قلنا ، والاكتفاء بنصوص منها للزخرفة والزينة ، أو للحرز والحماية ، أما في مجال الحركة فتعود الى أقوال الرجال ، يقول سلطان العلماء العز بن عبدالسلام : { وقد اختلفوا متى انسد باب الاجتهاد على أقوال ما أنزل الله بها من سلطان ، فقيل بعد المائتين من الهجرة ، وقيل بعد الشافعي ، وقيل بعد الأوزاعي وسفيان ، وعندهم أن الأرض قد خلت من قائم بحجة الله ينظر في الكتاب والسنة ويأخذ الاحكام منهما ، ولذلك قالوا لا يغني أحد بما في القرآن والسنة إلا بعد عرضهما على قول مقلده فإن وافقاه حكم وافتى وإلا ردهما ، وهذه أقوال فاسدة لا يقولها إلا صاحب هذيان } .
سبحان الله لقد انقلبت الآية ، فبدل أن تعود الى الكتاب والسنة في معرض الخلاف مصداقاً لقول الله تعالى (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) سورة النساء الآية 59 ، أصبحنا لا نقبل من القرآن والسنة إلا ما وافق مذهبنا ، وما يخالفه فهو منسوخ ، أو مخصص إن كان قرآناً ، وضعيف ومقطوع إن كان سنة ، هكذا حتى أصبح الرجال هم الحكم على دين الله  ، لا دين الله حكماً على الرجال ، فإذا قلت له قال الله أو قال رسوله تهرب من التطبيق بحجة أنه شافعي أو حنفي ، وهل الشافعية والحنفية غير مشمولين بالنص ، ومطالبين بالاحتكام اليه ، وهذا لعمري هو الداء الذي يقول عنه الرسول يوم القيامة ( وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا )  سورة الفرقانالآية 30 .
وكان مما ساعد على انتشار هذه الروح الرجعية ما قام به الحكام والاغنياء من إنشاء المدارس وقصر التدريس فيها على مذهب أو مذاهب معينة ، فكان ذلك من أسباب الاقبال على تلك المذاهب والانصراف عن الاجتهاد محافظة على الارزاق التي رتبت لهم والوظائف التي هي حكر عليهم وعلى أمثالهم ، وكان من آثار ذلك أن اختلفت الأمة شيعاً واحزاباً ، حتى أنهم اختلفوا في حكم تزوج الشافعية بالحنفي فمنهم من منع ومنهم من أجاز قياساً على الذمية ، وفي كتبنا الفقهية تكره الصلاة خلف حنفي وفاسق ، فقد جمع بينهما ، فكان من آثار ذلك أن انتشرت البدع وخمدت الحركة العقلية ، وقيد النشاط الفكري وضاع الاستقلال العلمي ، الأمر الذي أدى الى ضعف شخصية الأمة وأفقدها الحياة المتميزة ، وقعد بها عن السير والنهوض ، ووجد بذلك الدخلاء ثغرات ينفذون منها الى صميم الإسلام ، مرت السنون ووقف التشريع عند هذا الحد ، ووقف العلماء لا يستظهرون غير المتون ، ولا يعرفون غير الحواشي وما فيها من ايرادات واعتراضات والغاز .
وقد زاد الطين بلة بعض المصطلحات التي استعملها الفقهاء والتي لازالت تمارس دورها التخديري بحيث يمنع المسلم من أية حركة ومنها دعوى الاجماع على الشئ ، وكثير من تلك الاحكام بل كلها لو عدنا الى أقوال السلف في مظانها من كتب السنة وشروطها ، أوالتي تعني بذكر الخلاف والمذاهب ، وجدنا هذا الاجماع أمراً موهوماً ، ولرأينا الخلاف ثابتاً ، ولهذا انكر الامامان الشافعي واحمد التوسع في دعوى الإجماع وضيقا فيه ، وقصره الامام الشافعي على الأمور المعلومة من الدين بالضرورة مثل كون الظهر أربعاً ونحو ذلك مما ثبت بنص قطعي قبل الاجماع ، وأوصى الامام احمد أن يقول الفقيه لا أعلم الناس اختلفوا في كذا وكذا ، وقال من ادعى الاجماع فقد كذب وما يدريه لعل الناس اختلفوا وهو لا يدري .
ومنها ما اخده معرفة بشرية ثبت خطؤها ، أي اعتمد في أساسياتها على معرفة بشرية اثبت تطور المعارف الانسانية ، والعلوم الكونية خطأها ، لأنها كانت مبنية على استقراء ناقص ، أو على الثقة بأقوال بعض الناس اثبت العلم والتجربة خطأ أقوالهم ، أذكر مثالاً واحداً ، وهو ما ذكره الفقهاء في أقصى مدة للحمل ، فقد اختلفوا في ذلك بين سنتين عند أبي حنيقة ، الى أربع سنوات عند الشافعي واحمد ، الى خمس سنوات عند الليث والمشهور من قول مالك ، الى سبع سنين كما هو قول الزهري والرواية الثابتة عن مالك ، وهذا لا يعقله عقل ولا علم ولا استقراء ، ومع ذلك لازال هذا الخلاف يتفاعل ويقطع الطريق امام البحث العلمي الذي سيرفض كل هذه الاحصائيات حتماً ، وإذا رفضنا أو تركنا قول مالك او الشافعي في هذه المسألة فالحقيقة اننا نترك قول امرأة فلان ابن علان وأمثالهما ممن اعتمد الأئمة والمجتهدون عليهن ، ولا ضير علينا من ذلك فنحن نعلم من سيرة هؤلاء الأئمة أنهم لو كانوا في عصرنا ورأوا ما رأينا لرجعوا عن اجتهادهم الأول الى غيره ، فقد كانوا يدورون مع الحجة والدليل ، ولا يستنكفون أن يرجعوا عما قالوه بالأمس ، فالحق أحق أن يتبع .
ومنها الخطأ في فهم النص : كقول الحنفية أن النسب يثبت بمجرد العقد على المرأة ، ولو لم يدخل بها ولا كان الدخول ممكنا ، { نعتذر عن اكمال البحث لأن الاصل الذي نقل عنه وهو بخط يد الشيخ الشهيد قد اختلط الحبر بالعرق فأدى الى محو البقية من البحث } .