المخدرات في مجال العصبية { العرق والقوم والعشيرة } الجزء الأول

جزء من سلسلة المخدرات المعنوية
للدكتور محمد معشوق الخزنوي
خطبة لشيخ الشهداء الدكتور معشوق الخزنوي
خطبة في جامع الصحابي سلمان الفارسي بحي قناة السويس – قامشلو  
تفريغ : عبد الرحمن احمد – مراجعة مركز احياء السنة ( مكتب الشهيد الخزنوي )
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا سيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
أما بعد : مع المخدر المعنوية في لقاء جديد ، ومع المخدرات في مجال العصبية والعرق والعشيرة والقومية ، مع المشكلة التي لا يزال الناس يصطلون بنارها ، ولا تزال الشعوب تكتوي بشرارها ، مع المخدر العصبي لنبين رأي الإسلام فيه من أجل الوصول الى معالجة الظاهرة المرضية التي تسري في المجتمعات البشرية ، ويمتد آثرها الى الشباب المسلم والجيل المؤمن فتفتت في عضده وتشتت شمله وتفرق جماعته ، وينقسم بسبها المسلمون شيعاً متفرقة ، وطوائف متخلفة ، وفرقاً متناحرة ، وجماعات متنابذة ، وكل منها يستند الى طائفة من الاحكام والأدلة والمسوغات والمبررات ، يعتمد عليها أو يدعي التمسك بها ويظن أنه على الحق المطلق ، ويطعن في غيره ، ويشكك في عقيدته ويتهم سلوكه ، وقد يصفه بالكفر أو بالباطل ، ويستغل اعداء الدين هذه الخلافات لغرس سمومهم بينها ، مطبقين قاعدة المستعمرين ، فرق تسد ، وهذا ما يدعونا لتناول هذا المرض الخبيث  ، وبيان جذوره الجاهلية ، ومفاسده الاجتماعية ، وبالتالي لنصل بالشباب المسلم ، والجيل المعاصر الى المبدأ الصحيح ، أن العقيدة واحدة ، وأن الحق واحد ، وأن رائد المسلم هو التمسك بالحق أين كان ، وأن يوزن الرجال على ضوء الحق ، دون أن يكون تقديس الاشخاص وتعظيم الرجال فوق الحق والمبدأ ، وإلا وقع في شباك الجاهلية من جديد التي حذرنا منها القرآن الكريم والرسول الأمين ، فقال تعالى ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) سورة المائدة الآية 50 ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما اوقع اليهودي شاس بن قيس بين قبيلتي الأوس والخزرج واجتمعوا ليتقاتلوا قال لهم : { الله الله .. أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به وقطع عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر وألف بين قلوبكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا } ، فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح وبكوا وعانق بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس كما رواه الطبراني ، وروى البخاري في صحيحه أن رجلان من المهاجرين والأنصار تشاجرا ، َقَالَ الأَنْصَارِىُّ يَا لَلأَنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِىُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ ، فَسَمِعَ ذَاكَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم فَقَالَ ، مَابَالُ دَعْوَى جَاهِلِيَّةٍ ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ ، فَقَالَ { دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَة } فقد ذكر النسب أو القبيلة  على سبيل الإفتخار والتكبر على الآخر من دعاوى الجاهلية التي أبطلها الإسلام .
إن هذا المرض الخطير ، والمخدر العفن النتن ، والظاهرة العجيبة تسري بين المسلمين وغير المسلمين ، وإن العصيبات المقوته تسود العالم تحت شعارات مختالفة ، ومبادئ كثيرة ، كالجنس ، والعنصر ، واللون ، والدين ، والقوم ، والعشيرة ، واللغة ، واختلاف الانظمة أو الأعراف ، إن هذه نعتبرها مرضاً ومخدراً ، فخدر المسلم من مثوله ، أو الوقوع فيه ، ومنتهاه أن يسمح لهذه الحالة النتنة أن تغلب عقله وتفكيره وسموه البشرية وكرامته الانسانية ، وإن العصبية المذمومة هذه القديمة والحديثة التي تنص عليها بعض الأديان ، واقرها بعض الدول أو المجتمعات ، وتبنى عليها أساس وجودها ، وبدء عملها يرفضها الإسلام بشكل جازم ، وينأى عن اقرارها ، بل إن الإسلام حارب التعصب الذميم بكل أشكاله ومظاهره ، سواء كان في العقيدة ، أو الاجتهاد ، أو المعاملة ، أو الاجتماع ، هذا ويدخل في التعصب الذميم الذي نعتبره مخدراً للشعوب يسمح لبعض المتنفذبن من افرادها أو أعدائها بتفتيتتها وتقطيع أوصالها بغية تسهيل مهمة اغتنامها وسرقة خيراتها ، نعم يدخل في هذا التعصب أن يغمط الانسان حق غيره ، ويحاول أن يحتقر الآخرين في أشخاصهم ومعتقداتهم وأنسابهم وعلاقاتهم وأفكارهم وعاداتهم ولو كانت باطلة ، ولو كان الشخص لا يقبلها ولا يؤمن بها ، ولا يستسيغها العقل ، واحاول في هذه العجالة أن أشير الى بعض أنواع التعصب المذموم ، التعصب الذي يرجع الى القبيلة أو الجنس أو اللغة أو العرق أو اللون ، وقد عرف هذا التعصب في التاريخ القديم والحديث بأسماء مختلفة منها :
1-             التعصب القبلي : وهو من اقدم أنواع التعصب ، وذلك أن المجتمعات القديمة كانت تتكون من قبائل ، وكانت كل قبيلة تشكل خلية واحدة وكتلة متراصة ، وكان أبنائها متضامنين متعاونين يدافع كل منهم عن افراد قبيلته ، وتثأر القبيلة كلها لأحد عناصرها ، وإذا وصل الى أسماعهم أن أحد افراد قبيلته أصابه ضيم أو اعتدى عليه آخر ، أو تنازع مع ثالث ، أو تقاتل مع أجنبي ، فإنهم يهبون على آخرهم ، ويقفون مع قريبهم لينصروه سواءً كان ظالماً أو مظلوماً ، ويسرعون لنجدته دون أن يكلفوا أنفسهم السؤال عن القضية أو الأدلة ، أو معرفة جوهر المسألة ، وقبل أن يعرفون الحق من الباطل ، وفي ذلك يقول شاعرهم :
    قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم        طاروا إليه زرافات ووحدانا
    لايسألون أخاهم حين يندبهم         في النائبات على ماقال برهانا
ومع أن الإسلام قد أقر علاقة القرابة بين أفراد العائلة والأسرة والقبيلة ، وبنى عليها أحكاماً ، بل عظم صلة الرحم ، وأباح الدفاع عن العرض ، وأوجب نصرة الأخ القريب ، ولكنه بين حدود ذلك وقيده بخطوط حمراء ، وضوابط وقواعد تحول بين المبدأ وبين التعسف فيه ، وأحياناً أقر عبارات وبين المسار الصحيح لها ، ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه البخاري عن انس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :  { انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال: رجل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنصره إذ كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟! قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره } ، وهذا نوع من الاعانة على النفس والشيطان ، ما كانت العصبية تسمح للعرب حينئذ أن يدركوا معانيه إلا بالإسلام الذي يعبر عنه واثلة بن الاسقع ، في الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجة عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله ما العصبية قال أن تعين قومك على الظلم.
2-             التعصب القومي : وهو نسبة الى القوم الذين تربطهم عوامل اللغة والعرق والأرض والثقافة والتاريخ والآلام والأمال المشتركة ، وينسجون حول أنفسهم سياجاً وهمياً للتميز عن القوميات الأخرى ، ويرفعون الشعار القومي لجميع افراد العرق نحو هدف معين شريفاً كان او وضيعاً ، ويتخيلون لقوميتهم من المزايا والصفات والقيم ما يربوا على غيرهم ، وهذا يدعوهم الى التعالي والتعصب لقوميتهم مع ازدراء بقية القوميات ويعبر عن ذلك هتلر بشعاره { الجرمان فوق الشعوب } ، واتاتورك بقوله { ما أسعد من يقول أنا تركي } ، وبنو اسرائيل بقولهم { نحن شعب الله المختار } ، ومع الاسف اصبح يقلدهم الكثير حيث يقول فناننا { أنا سوري آه يا نيالي } والآخر يقول {انا ابن مصر ام الدنيا }، و الاسلام مع اقراره لمبدأ الانتماء الى قوم أو عرق واحترامه لذلك الى درجة الثناء ، إلا أنه ضبطه ووضع له خطوطاً حمراء ، حيث يقول سراقة بن مالك رضي الله عنه خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال { خيركم المدافع عن اهله ما لم يأثم  } رواه ابو داود ، ويروي ابو داود ايضا عن واثلة ابن الاسقع قال قلت يا رسول الله ما العصبية ؟ ، قال : {  أن تعين قومك على الظلم } ، إن الاسلام حاول أن يخلص المجتمعات والشعوب من كل انحراف اعترى هذه الغريزة الفطرية التي يخدمها كل ذي عقل ، ومنع من خروجها عن مسارها يوم أكدت أن التفاضل بين الناس يعتمد على مبدأ التقوى والورع ونفع الناس والاحسان الى الآخرين ، فلا مفاضلة على غير هذه الأسس ، ولم يخلق الله شعبا فوق شعب ، ولم يميز قوماً على غيرهم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) سورة الحجرات الآية 13 ، وأن قيمة الإنسان في المجتمع ومكانته عند الله تنحصر بما يقدمه من عمل نافع ، وجهد مشكور ، وخدمات طيبة ، فالناس سواسية كأسنان المشط وإنما يتفاضلون بأعمالهم ، ولذلك جاءت خاتمة الآية (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) ، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي صححه السيوطي والالباني من حديث جابر {خير الناس أنفعهم للناس } ، لا فوارق ولا ميزات ، وليس هناك في الإسلام طبيقية على أساس القومية والعرقية واللغة ، ولا مواطنون من الدرجة الثانية كحالنا نحن الكرد ، فاسمع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا يقول  في الحديث الذي رواه الإمام البيهقي ، وصححه الألباني ، من حديث جابر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، خطب في خُطبة الوداع، في أوسط أيام التشرق، فقال: { يا أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى ، ألا هل بلغت ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ! قال : فيبلغ الشاهد الغائب } ويقول ايضا  في الحديث الذي رواه أحمد في المسند  وقال محققوه: إسناده حسن عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إن الله عز وجل قد أذهب عنكم عبية الجاهلية – أي فخرها وتكبرها ونخوتها – وفخرها بالآباء ، مؤمن تقي وفاجر شقي، والناس بنو آدم وآدم من تراب، لينتهين أقوام فخرهم برجال، أو ليكونن أهون عند الله من عدتهم من الجعلان- هو دويبة تنشأ في القاذورات – ، التي تدفع بأنفها النتن} ، وتعالى أخي المسلم لتستمع معي الى هذه القصة التي تبين نوازغ النفس وأثرها من جهة ، وبعد ذلك أثر التربية الاسلامية من جهة ثانية ، يروي البخاري ومسلم واحمد عن المعرور بن سويد ، اختلف ابو ذر الغفاري العربي الذي يفتخر بأصالته مع بلال الحبشي العبد الاسود ، فاحتد ابو ذر وقال له : يا ابن السوداء ، يعيره بأمه السوداء ، ووصل الخبر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب غضبا شديداً واستدعى المتنازعين و قال : (طف الصاع طف الصاع ) ثم اتجه إلى أبي ذر و قال له : (انك امرؤ فيك جاهلية ، ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل إلا بالتقوى أو عمل صالح ) فوضع أبو ذر خده على الأرض ، و أقسم على بلال أن يطأه بحذائه حتى يغفر الله له زلته هذه ، و يكفر عنه ما بدر منه من خلق الجاهلية الأولى.
     وإنني ادعو من على هذا المنبر كل الذين يستظلون تحت خيمة الإسلام ، ويرون رسول الله معلماً ورسولاً ونبياً وأسوة ثم تجدهم يظلمون أخوة لهم في الدين ويغتصبون حقوقهم وينتهكون أعراضهم ويستبيحون دماءهم ويحتقرونهم في التعامل معهم لا لشيئ سوى أن الله خلقه من عرق غير عرقه ، أو ينتسب الى قوم غير قومه ، أو يتكلم بلغة غير لغته ، واكبر شاهد ودليل على ذلك حال الكرد في بلاد المسلمين ، في سورية والعراق وتركيا وايران ، أدعو كل المسلمين الذين يبحثون عن النجاة والظل يوم لا ظل إلا ظل الله ولا حوض إلا حوض رسول الله ، أدعوهم ليعرفوا أن خيمة الإسلام وحوض رسول الله مكتوب عليها بالأمس واليوم وكل يوم قوله عليه الصلاة والسلام { ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية } “رواه أبو داود”.